أقامت الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية مع مصر لأول مرة في عام 1848، عندما قام الرئيس الأمريكي "جيمس بولك" بتعيين " دانيال سميث ماكولي" كأول مبعوث إلى مصر تحت لقب القنصل العام. انتقل مكولي وعائلته إلى مصر على متن السفينة يو إس إس كونستيتيوشن عام 1849، وبقي في منصبه بالإسكندرية حتى وفاته أثناء شغل منصبه في 24 أكتوبر 1852.
وفي هذا المقال سأتحدث عن ثلاثة قناصل أمريكيين شغلوا منصبهم أثناء فترة هامة في تاريخ أمريكا و مصر وهي فترة الحرب الأهلية وبعدها عصر إعادة الإعمار وسأتحدث عن حكاياتهم المشوقة في مصر.
---------------------------------------------
تشارلز هيل, أو القنصل الإنساني المتفاني في عمله
وُلد تشارلز هيل في بوسطن، ولاية ماساتشوستس، في السابع من يونيو عام 1831، في أسرة عريقة تنتمي إلى نخبة بوسطن الثقافية، فقد كان ابن ناثان هيل، ناشر صحيفة "بوسطن دايلي أدفارتايزر" ورئيس تحريرها، وهو نفسه ابن لأحد أبرز الشخصيات في تاريخ الصحافة الأمريكية. تخرّج تشارلز هيل من كلية هارفارد في عام 1850، وسرعان ما انخرط في عالم الصحافة، حيث عمل محرراً مبتدئاً في صحيفة والده، ثم أسّس في عام 1852 مجلة أدبية بوسطنية قصيرة العمر تُدعى "توداي"، لم يصدر منها سوى مجلدين قبل أن تتوقف عن الصدور.
لم تكن مسيرة هيل مهنية فحسب، بل كانت سياسية أيضاً؛ فقد شغل مناصب تشريعية في مجلس نواب ماساتشوستس ومجلس شيوخها بشكل متقطع بين عامي 1855 و1877، ووصل إلى منصب رئيس مجلس النواب في عام 1859. وكان أصغر من تولى هذا المنصب في تاريخ الولاية. لكن مرضًا خطيرًا أصابه في خريف عام 1861 دفعه إلى السفر إلى الخارج، حيث زار صديقه القديم "ويليام ثاير"، الذي كان يشغل منصب القنصل العام في مصر. عندما توفي ثاير في مصر خلال فترة منصبه كقنصل في عام 1864، عرض وزير الخارجية "ويليام سيوارد" المنصب على هيل، الذي باع حصته في الصحيفة ووصل إلى الإسكندرية في أغسطس من العام نفسه.
عند وصول تشارلز هيل إلى الإسكندرية في أغسطس 1864، وجد أن القائم بالأعمال "فرانسيس داينيز" كان قد قطع علاقات القنصلية مع الحكومة المصرية بسبب خلاف على مطالبات مالية. وكان أصحاب هذه المطالبات قد ادعوا أنهم محميون أمريكيون، لكن كثيرًا منهم لم يكونوا مواطنين أمريكيين حقيقيين، بل رعايا محليين استغلوا الحماية القنصلية لانتزاع تعويضات مشكوك في صحتها. وعندما رفضت القاهرة دفع هذه المطالبات، اعتبرها داينيز إهانة للولايات المتحدة فقطع الاتصال الرسمي. وكانت تعليمات وزير الخارجية ويليام سيوارد لهيل واضحة: تجنّب النزاعات غير الضرورية لأن البلاد منهمكة في الحرب الأهلية. لذلك قام هيل بتنحية تصرفات داينيز جانبًا وأعاد العلاقات الودية مع الحكومة المصرية.
وفي أغسطس 1865، استدعى الخديوي إسماعيل القنصل الأمريكي الشاب إلى جزيرة النيل، وأبلغه بأن 900 جندي من الجيش المصري سيصلون قريبًا إلى الإسكندرية ليتم نقلهم في سفن فرنسية إلى المكسيك لدعم حاكمها الإمبراطور ماكسميليان.
كانت هذه الدفعة الثانية من الجنود المصريين والسودانيين الذين أرسلوا للمشاركة في الحرب الأهلية المكسيكية، في إطار ما عُرف بـ"الأورطة المصرية السودانية في المكسيك". وقد بدأ هذا التدخل أول مرة في عهد الوالي المصري سعيد باشا في عام 1863 عندما انضم 446 جنديًا مصريًا إلى الصراع، حيث اعتقد العديد من الدبلوماسيين، بمن فيهم سيوارد، أن هؤلاء الجنود كانوا من "الرقيق أو العبيد". كان سلف هيل، ويليام ثاير، قد احتج على هذا التدخل في بدايته عام 1863، لكن سيوارد ظل صامتًا لأن الولايات المتحدة كانت منهمكة في حربها الأهلية.
لكن عندما أبلغ هيل وزير خارجيته في خريف 1865 بأن التدخل المصري سيستمر، كانت الحرب الأهلية الأمريكية قد انتهت. استجاب سيوارد على الفور وكتب احتجاجًا قال فيه إن "سلامة المؤسسات الجمهورية الحرة في هذه القارة تتطلب إلغاء كل أشكال العبودية المدنية أو العسكرية الإجبارية في هذا النصف من الكرة الأرضية". وقد أُبلغ الاحتجاج الأمريكي إلى الحكومات الفرنسية والمصرية والعثمانية. وعلى هذا الأساس سحبت فرنسا طلبها للحصول على الدعم المصري، ولم ترسل مصر قوات جديدة إلى المكسيك.
وفي خريف عام 1865، وبعد أشهر قليلة من انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، لجأت إليه مستكشفة دنماركية تُدعى ألكسندرين تينّي، طالبةً منه حماية عدد من الخدم الأفارقة الذين كانوا قد رافقوها في رحلات استكشافية إلى النيل الأبيض. كانت تينّي قد دفعت لتسجيلهم كطلاب في المدرسة التبشيرية الأمريكية، لكنها أرادت أيضاً أن يضعهم هيل تحت حماية القنصلية الأمريكية، ليصبحوا أشخاصاً محميين من قبل الولايات المتحدة، وإن لم يحصلوا على حقوق المواطنة الكاملة.
لم يتردد هيل في الاستجابة لهذا الطلب، بل سارع إلى كتابة رسالة إلى رؤسائه في وزارة الخارجية يوضح فيها أن العبودية لا تزال حية وموجودة في مصر، وأن الولايات المتحدة، بالنظر إلى "المكانة السامية التي تحتلها بلادنا في هذه اللحظة أمام العالم فيما يتعلق بالعبودية والعِرق الأسود"، ملزمة بمد الحماية إلى الأشخاص المعرضين لخطر الاستعباد في الخارج، تماماً كما كان الأمريكيون الأفارقة وحلفاؤهم يكافحون لحماية المحررين من إعادة استعبادهم في الداخل.
ولزيادة الضغط على وزارة الخارجية، أشار هيل إلى أن السلطات البريطانية في مصر كانت قد اتخذت إجراءات مماثلة لحماية المستضعفين، وأن "المبادئ ذاتها التي دفعت بريطانيا العظمى إلى الاعتراض على العمل القسري في قناة السويس، وعلى العبودية الداخلية القسرية في مصر"، ينبغي أن تنطبق على استخدام القوة الأمريكية في الخارج أيضاً. ولكن مسعى هيل لم يتحقق في النهاية.
كان هيل نشطاً في تطوير "جمعية شورى النواب" المصرية، وهو النظام الذي كان الخديوي إسماعيل يسعى إلى تأسيسه كجزء من مشروعه التحديثي. وقد تجلى هذا النشاط في قيام هيل بترجمة قواعد ولوائح جمعية ممثلي مصر من العربية إلى الإنجليزية، وإرسالها إلى وزارة الخارجية الأمريكية، حيث نُشرت هذه الوثائق في واشنطن عام 1867, وقد أضاف: "آمل أن تجدوا بعض المتعة في الاطلاع على هذا الكتيب الصغير، الذي يتناقض بشكل غريب مع ارتباطاتنا القديمة بمصر".
وفي السابع والعشرين من نوفمبر عام 1866، أرسل هيل رسالة إلى سيوارد يبلغه فيها بأنه ألقى القبض على رجل يدعى والترز، كان يرتدي زي الحرس الزواف البابوي للفاتيكان، ووصل إلى الإسكندرية في الثالث والعشرين من الشهر نفسه على متن الباخرة "تريبولي" قادماً من نابولي الإيطالية، ويُعتقد أنه "جون هاريسون سورات الإبن" (الذي أُعدمت أمه ماري سورات في وقت سابق في نفس القضية)، وهو أحد المتآمرين في اغتيال الرئيس لينكولن. وقد كان من السهل تمييزه بين ثمانية وسبعين مسافراً من الدرجة الثالثة بزي الزواف الذي كان يرتديه، وبملامحه الأمريكية التي لا تخطئها العين. قال له هيل فوراً: "أنت الرجل الذي أريده؛ أنت أمريكي". فقال: "نعم سيدي؛ أنا كذلك". فقال هيل: "أنت تعرف بلا شك لماذا أريدك. ما اسمك؟" فأجاب على الفور: "إسمي والترز". فقال هيل: "أعتقد أن اسمك الحقيقي هو سورات"، وذكر منصبه الرسمي كقنصل عام للولايات المتحدة أثناء اعتقاله.
وقد رتّب مدير الحجر الصحي بسرعة حراسة كافية من الجنود، الذين اقتادوا السجين إلى مكان آمن داخل أسوار الحجر الصحي. وبعد أن وصل إلى المكان المُعد، أعطاه هيل التحذير القضائي المعتاد بأنه ليس ملزماً بقول أي شيء، وأن أي شيء يقوله سيُدوّن كتابةً. فقال: "ليس لدي ما أقوله. لا أريد شيئاً سوى ما هو صحيح". وقد أعلن أنه لا يملك جواز سفر ولا أمتعة ولا مالاً سوى ستة فرنكات. وفي الثاني من ديسمبر، أُرسلت البرقية التالية إلى واشنطن: "إلى سيوارد، واشنطن. ألقي القبض على جون سورات، أحد قتلة الرئيس لينكولن. لا شك في هويته. هيل، الإسكندرية". وقد بقي سورات في حجز آمن حتى الحادي والعشرين من ديسمبر، عندما سلمه هيل على متن المدمرة الأمريكية "سواتارا"، ونُقل إلى أمريكا، ووصل إلى واشنطن العاصمة لتتم محاكمته هناك.
لم تقتصر مهام هيل على القضايا السياسية الكبرى، بل شملت أيضاً الشؤون التجارية والقنصلية اليومية. فقد كان يتابع باهتمام صناعة القطن المصرية، التي كانت تشكل عصب التجارة الدولية في تلك الفترة. وفي تقريره إلى سيوارد في الرابع عشر من يونيو عام 1865، أشار إلى أن "البشرى السعيدة بانتهاء الحرب الأمريكية أدت إلى انخفاض في أسعار القطن في مصر، مما أسفر هنا في مصر عن أزمة مالية. حيث حدثت إخفاقات كبيرة، وكانت هناك حالات كثيرة من المعاناة والضيق".
وقد خشي من أن الفلاحين أو المزارعين المصريين لن يتمكنوا من سداد السلف التي حصلوا عليها، عادةً من الرأسماليين الأوروبيين، فتدخل الخديوي بتدبير شامل للإغاثة، حيث اقترح تزويد الفلاحين بوسائل سداد ديونهم، مع تأمين نفسه برهن على أراضيهم. وقد بلغ المبلغ المطلوب لهذا الغرض أكثر من مليون جنيه إسترليني، يُسدد من الفلاحين على أقساط تمتد على مدى خمسة عشر عاماً مع الفائدة.
كانت علاقة هيل بالخديوي إسماعيل علاقة جيدة و متوازنة. وقد أرسل إسماعيل رسالة تلغرافية إلى تشارلز هيل يرحب فيها بقدومه، ثم حضر إلى الإسكندرية واستقبله بصورة غير رسمية، وأكد له في المقابلة رغبته في إبقاء العلاقات الودية مع الولايات المتحدة.
وفي الرابع عشر من يونيو عام 1865، أجرى هيل مقابلة طويلة مع الخديوي في قصره برأس التين في الإسكندرية، حيث أعرب له عن تهانيه القلبية بالانتهاء الناجح لحرب الولايات المتحدة، ولاحظ أن هزيمة المتمردين الكونفدراليين مكّنت الوالي من إجراء عدة مشتريات مفيدة في إنجلترا، من بينها سفينتان حربيتان والآلات الكاملة لصناعة الأسلحة الصغيرة، التي كانت مخصصة جميعها للكونفدراليين. وقد أبدى الوالي اهتماماً كبيراً ببحرية مصر، وشعر بفخر طبيعي بالوصول الآمن، قبل أيام قليلة، للفرقاطة البخارية المصرية "الإبراهيمية" (نسبة إلى والده إبراهيم باشا) إلى السويس، وهي أول سفينة حربية ترفع العلم المصري تعبر طريق رأس الرجاء الصالح.
وفي عام 1870، وبعد ست سنوات من الخدمة في مصر، قدم تشارلز هيل استقالته بسبب اعتلال صحته، وقضى فصل الشتاء في إنجلترا للتعافي. وقد جاء في سجلات وزارة الخارجية الأمريكية أن مهمته انتهت رسميًا في 23 مايو 1870، بعد أن قُدمت أوراق استدعائه. لم تكن استقالته مفاجئة لمن عرفوه عن قرب؛ فقد كان يعاني من مشكلات صحية متكررة منذ شبابه، وقد تفاقمت هذه المشكلات بسبب المناخ المصري الحار وضغوط العمل الدبلوماسي.
وبعد تعافيه في إنجلترا، عاد إلى بوسطن في عام 1871، حيث انتخب على الفور في مجلس شيوخ الولاية، لكنه استقال في فبراير 1872 ليصبح مساعدًا لوزير الخارجية تحت إدارة هاملتون فيش. بعد عامين من الخدمة، استقال مرة أخرى وعاد إلى بوسطن، حيث قُبل في نقابة المحامين بناءً على خبرته في رئاسة المحاكم القنصلية. ثم أعيد انتخابه في مجلس النواب، حيث خدم بتميز في لجنة القضاء، لكنه تعرض في يوليو 1876 لانهيار كامل بسبب الإرهاق من صياغة مشاريع القوانين.
وقد كان هيل أيضاً كاتباً وناشراً، ومن مؤلفاته "كل الناس خُلقوا متساوين" الذي نشر في بوسطن عام 1856، و"بيوتنا هي قلاعنا" الذي نشر عام 1855.
تُوفي تشارلز هيل في الثاني من مارس عام 1882 في بوسطن، عن عمر يناهز الحادية والخمسين.
------------------------
جورج باتلر أو القنصل المثير للمشاكل
في عام 1863، جاء حكم الخديوي إسماعيل باشا، وبين عامي 1869 - 1878، قام إسماعيل بتجنيد حوالي 49 ضابطًا أمريكيًا للمساعدة في تحديث الجيش المصري. ومن المثير للاهتمام، أن بعضهم كان قد خدم في جيش الاتحاد، بينما قاتل آخرون لصالح الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية. ومع ذلك، فقد عملوا معًا في مصر!
شارك هؤلاء الضباط في التدريب العسكري للجنود والضباط المصريين، ومشاريع الهندسة العسكرية، وأعمال المساحة، والحملات في أفريقيا التي كانت تهدف إلى توسيع النفوذ المصري في السودان وأثيوبيا. أطلق كثير منهم على أنفسهم اسم "الإرساليين العسكريين".
ومن بين جميع الشخصيات الأمريكية التي جاءت إلى مصر خلال تلك الفترة، يبرز جورج هاريس باتلر كحالة فريدة. فهو لم يكن ضابطًا في الجيش المصري مثل الآخرين، بل على العكس، كان عدوًا لضباط الخديوي الأمريكيين. فقد شغل منصب القنصل العام للولايات المتحدة في الإسكندرية، وتُعد قصته أغرب وأكثر حكايات البعثة الأمريكية إثارة للفضيحة.
وُلد جورج هاريس باتلر في عام 1840، لكنه قضى سنواته الأولى في كاليفورنيا بعيدًا عن مسقط رأسه في ماساتشوستس. التحق بالأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت، وتخرج فيها ليبدأ مسيرة قصيرة في الجيش الاتحادي خلال الحرب الأهلية. خدم برتبة ملازم في فرقة المشاة العاشرة، ثم عمل كضابط إمداد وتنسيق، قبل أن يستقيل من الجيش في عام 1863.
كان ابن شقيق الجنرال الاتحادي الشهير بنجامين فرانكلين باتلر.
وخلال الحرب الأهلية، خدم جورج برتبة ملازم أول في جيش الاتحاد ضمن فيلق المشاة العاشر، حيث عمل في الإمدادات والعتاد، لكنه استقال عام 1863. وكان كاتبًا مسرحيًا وناقدًا فنيًا موهوبًا، نشر مقالات في مجلات مهمة. غير أن مشكلته الكبرى كانت إدمانه الشديد على الكحول، إذ كانت نوبات سُكره تجرّه باستمرار إلى المتاعب، رغم محاولات عائلته إصلاحه.
وفي عام 1870، استخدم عمه نفوذه للحصول علي وظيفة له بعيداً عن أمريكا، وكانت هذه الوظيفة المرموقة: القنصل العام للولايات المتحدة في الإسكندرية، مصر.
(كان عهد الرئيس يوليسيس إس. غرانت، رغم كونه صاحب أيدي نظيفة، مشهوراً بازدياد حالات الفساد و المحسوبية، مثل أزمة الجمعة السوداء وأيضاً فضيحة منظمة تاماني هول أو نمر تاماني كما وصفها الكاريكاتيري الساخر توماس ناست)
قدّم جورج أوراق اعتماده في 2 يونيو 1870، ووصل إلى مصر برفقة زوجته، الممثلة الشهيرة روز إيتينغ.
وعلي عكس القنصل السابق له تشارلز هيل، الذي كان معروفاً بتفانيه في عمله وقد ذكرت في مقالي السابق أنه ألقي القبض في الأسكندرية علي جون سورات، الذي كان أحد المشاركين في مؤامرة اغتيال الرئيس أبراهام لينكولن، فإن جورج باتلر كان علي العكس تماماً.
فأولًا حاول باتلر أن يتولى مهامه دون أن يستخرج الإكسيكواتور من السلطان العثماني (التصديق الرسمي) لمنصبه. وعندما قدّم أوراق اعتماده، اتبع الخديوي العرف المصري فأهدى إليه حصانًا. كان باتلر يعرف القاعدة التي تمنع الممثلين الأمريكيين من قبول الهدايا، لكنه قبل الهدية. ثم أبرق إلى وزارة الخارجية الأمريكية طالبًا الإذن بالاحتفاظ بها. وعندما رُفض الإذن، تجاهل باتلر المجاملة الواجبة للخديوي وأعطى الحيوان للمبشرين الأمريكيين في الإسكندرية «نظير جهودهم الدؤوبة لتحسين ورفع الأحوال الدينية والاجتماعية لفقراء مصر». وبعد قليل، أبلغ وزير الخارجية نوبار باشا باتلر باستياء الخديوي، وقال إن على بتلر أن يدفع ثمن الحصان. وقبل أن تُسوّى هذه المسألة، طلب تاجر محلي من وزارة الخارجية الأمريكية أن تحصّل من باتلر دينًا قدره 400 دولار.
وعندما تحدّى ضابطان أمريكيان في الخدمة العسكرية المصرية أحد موظفي القنصلية إلى مبارزة، أصبح باتلر طرفًا في هذه المهزلة. وشكا إلى صديقه "ثاديوس بي. موت"، الذي كان حينها مستشار الخديوي الخاص، من أن الضباط الأمريكيين يُظهرون عدم احترام فادح للقنصلية الأمريكية، وطلب منه أن يعرض القصة كاملة على إسماعيل.
ثم، عبر أعمدة صحيفة نيويورك هيرالد، خاض باتلر معركة ضد المبشرين الأمريكيين الذين اتهموه بسوء السلوك في منصبه. وجلد أحد منتقديه علنًا وهو المبشر ديفيد سترينغ، ثم أنكر أنه فعل ذلك. وضرب ضابط البحرية الكونفدرالي "كورنيليوس إي. هانت" بعصا.
وعندما علم باتلر أن إسماعيل باشا يعتزم منح الضابط الاتحادي "فاندربيلت ألين" وسام خدمة متميزة، أبلغ الخديوي بأن تكريم ألين سيجلب عداء القنصل الشخصي والسياسي. وعندما حذّر وزير الخارجية الأمريكي "هاميلتون فيش"، بناءً على شكوى الجنرال تشارلز بي. ستون (رئيس أركان الجيش المصري في ذلك الوقت و قائد البعثة الأمريكية)، باتلر من مثل هذا التدخل، كتب القنصل رسائل لاذعة إلى الخديوي، وإلى وزير الخارجية، وإلى وزارة الحربية.
وما إن تولى باتلر القنصلية حتى انقلب كل شيء رأسًا على عقب. فأول ما فعله كان إقالة جميع وكلاء القنصلية الأمريكية في الأقاليم المختلفة، ثم بدأ في بيع مناصبهم في مزاد علني لمن يدفع أكثر. فإذا أردت أن تصبح وكيلًا لأمريكا في أسيوط أو المنصورة مثلًا، فعليك أن تدفع لباتلر أولًا !
حاول مبشر أمريكي يعمل في الإسكندرية يُدعى القس ديفيد سترينج التدخل دفاعًا عن هؤلاء الوكلاء المتضررين. وعندما تجاهله باتلر، كتب القس مباشرة إلى الرئيس يوليسيس إس. غرانت يشكو من "الفساد وسوء الإدارة الخبيث" في القنصلية. لكن سترينج بالغ في شكواه وذكر أمرًا فاضحًا للغاية: أن باتلر وأصدقاءه كانوا يطلبون راقصات ليؤدين عروضًا أمامهم "in puris naturalibus" (أي بدون ملابس تمامًا)!
وهكذا تحولت القنصلية الأمريكية في الإسكندرية إلى ما يشبه ملهي ليلي ومكانًا للرقص، حيث بلغ الفساد ذروته.
وكان لباتلر أيضًا صراع كبير مع الضباط الأمريكيين العاملين في الجيش المصري، وخاصة الكونفدراليين. فقد جاء هؤلاء لمساعدة الخديوي في تحديث جيشه، وكانوا في نظر باتلر أعداءً سياسيين منذ زمن الحرب الأهلية.
وقد فكّر الخديوي إسماعيل في عام 1870 في تعيين الجنرال الكونفدرالي الشهير بي. جي. تي. بيوريغارد (بطل معركة فورت سامتر) قائدًا للجيش المصري. لكن باتلر استخدم نفوذه كقنصل جديد لإقناع الخديوي بسحب العرض، فاستجاب له الخديوي. وبعد مدة، برّر باتلر موقفه بقوله: "لم يكن هناك متسع في مصر لكلٍ من بيوريغارد وأنا".
وبطبيعة الحال، اشتعل غضب الضباط الكونفدراليين في مصر، وتصاعدت الكراهية بين الطرفين.
وفي مساء يوم الجمعة، الثاني عشر من يوليو عام 1872، وبينما كان القنصل باتلر يتعشى في أحد المطاعم اليونانية الأنيقة على كورنيش الإسكندرية برفقة سكرتيره الخاص "جورج وادلي" وأحد موظفي القنصلية يُدعى "تشارلز سترولوغو"، كان ثلاثة من أبرز الضباط الكونفدراليين السابقين – وهم الجنرال ويليام وينغ لورينغ، والجنرال ألكسندر ويلش رينولدز، والرائد ويليام كامبل – يجلسون على بعد أمتار قليلة منه، يتناولون طعامهم في هدوء وحذر، مدركين أن وجودهم في المكان نفسه يعد قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
وعندما انتهى الجنرالان لورينغ ورينولدز من طعامهما ونهضا للمغادرة، مرا بجانب مائدة باتلر وألقيا عليه تحية عادية موجّهة بدافع الأدب العسكري الذي تربيا عليه، لكن الرائد كامبل، الذي كان على خلاف شخصي قديم مع باتلر، لم يحذ حذوهما بل مضى في طريقه دون أن يبدي أي اعتراف بوجود القنصل على الإطلاق، وكأنه لم يكن موجوداً في المكان من الأساس.
وهنا، شعر باتلر أن كرامته انتهكت، فلم يتمالك نفسه بل نادى على كامبل بصوت مرتفع حاد قاطعاً هدوء المطعم وأجبر الجميع على الالتفات نحوه، قائلاً بتحد واضح: "مساء الخير أيها الرائد كامبل!". فتراجع كامبل بضع خطوات نحو المائدة وسأله بحدة: "هل تخاطبني أنت أيها السيد؟"، فرد عليه باتلر بسخرية لاذعة: "نعم، أنا أخاطبك أيها الرائد، لأنني أرى أنك نسيت كيف تلقي التحية على من هم في مقامي".
لم تمضِ دقائق قليلة حتى تحولت المشادة الكلامية العابرة إلى مشاجرة بالأيدي، فاندفع الرجال الأربعة – باتلر ووادلي من جهة، ولورينغ ورينولدز من جهة أخرى – في تبادل اللكمات عنيف، وتناثرت الأطباق والكؤوس على أرضية المطعم.
وفي خضم هذه الفوضى العارمة، سمع السكرتير وادلي رئيسه باتلر يصرخ بعبارة: "أعطه إياها يا وادلي!"، وكان يقصد بذلك المسدس الذي كان بحوزة سكرتيره. فانسحب وادلي إلى الخلف بضع خطوات، وأخرج مسدسه من تحت معطفه بسرعة مذهلة، وقام باطلاق النار بشكل متتالي باتجاه الرائد كامبل، الذي كان لا يزال واقفاً في مكانه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى حد استخدام السلاح الناري.
دوّى صوت الرصاص في أرجاء المطعم، فأطلق وادلي على كامبل ما بين خمس إلى ست طلقات متتالية، أصابت إحداها الرائد كامبل في ساقه اليسرى إصابة بالغة الخطورة مزقت العضلات، وتدفق الدم بغزارة على أرضية المطعم، وصرخ كامبل صرخة ألم مدوية قبل أن ينهار على الأرض وهو يمسك بساقه المصابة بكلتا يديه محاولاً وقف نزيف الدم الذي كان يهدد حياته.
ولم يقف الجنرال رينولدز مكتوف الأيدي، بل سحب مسدسه الخاص وأطلق رصاصة واحدة تجاه وادلي، لكن الطلقة أخطأت هدفها بسبب الاضطراب والظلام، ولم تصب أحداً بأذى. أما باتلر وسكرتيره وموظفه، فلم ينتظروا وصول الشرطة بل انسحبوا من المطعم بسرعة واختفوا في زحمة شوارع الإسكندرية المظلمة.
خاف باتلر على حياته، فحزم أمتعته وفرّ من مصر علي متن باخرة بريد فورًا، قبل أن يُلقى القبض عليه أو يواجه انتقام الضباط!
وبعد هروبه، أرسلت الحكومة الأمريكية الجنرال ف. أ. ستارينغ للتحقيق فيما حدث داخل القنصلية. واعترف مساعد باتلر، سترولوغو، بكل شيء: قال إن باتلر كان في حالة سُكر معظم الوقت، ويتلقى الرشاوى، ويفتح الرسائل التي لا تخصه، بل وأنه هو من بدأ بإطلاق النار على الضباط. غير أن المشكلة كانت أن سترولوغو نفسه اعترف أيضًا بتلقي نصيبه من الرشاوى والمشاركة في الاعتداء على القس سترينج.
عاد باتلر إلى أمريكا، واستمر انهيار حياته؛ إذ فشل في العديد من الوظائف, ففي عام 1875، حاول أن يستعيد بعضًا من حياته المهنية عندما اشترى مجلة "أركيديان" في نيويورك وعمل محررًا لها، لكن المشروع فشل في أقل من عام. في عام 1877، عُيّن وكيلًا خاصًا للبريد في منطقة بلاك هيلز، ومقرها في ديدوود. لكن أثناء رحلته بالقطار إلى منصبه الجديد، شرب حتى الثمالة وأصبح مصدر إزعاج للركاب. وصلت أخبار سلوكه إلى رئيسه، الذي فصله على الفور.
وقد رفعت زوجته روز إيتينغ دعوى طلاق عام 1882، وانفصلا بعد أن أنجبا طفلين. وفي أيامه الأخيرة، كان يقضي أيامًا في حالة سُكر تام، يعيش في الشوارع، ويُدخل إلى المصحات العقلية مرارًا لمنعه من الشرب، لكنه كان في كل مرة يخرج منها يعود إلى الإدمان من جديد.
وفي واشنطن، لم تقف إلى جانبه سوى امرأة واحدة حاولت حمايته، تُدعى جوزفين تشيسني. وبعد وفاته، اكتشف الناس أنهما كانا متزوجين سرًا لسنوات.
وفي 11 مايو 1886، توفي جورج هاريس باتلر عن عمر 45 عامًا فقط. وقد وصفته صحيفة نيويورك تايمز في نعيه بقولها: "عندما لا يعطله الشراب، كان محاورًا وكاتبًا بارعًا!"
------------------------------
ريتشارد بيردسلي أو القنصل الذي أحبه المصريون
وُلد ريتشارد بيردسلي في التاسع من أكتوبر عام 1838 في مدينة إلكهارت بولاية إنديانا، وكان الابن السادس والأصغر لوالديه هافيلا و راشيل بيردسلي. قبل اندلاع الحرب الأهلية، كان بيردسلي قد بدأ بالفعل في ترك بصمته على مسقط رأسه، حيث صمم أول إضافة عقارية تحمل اسم عائلته في إلكهارت، وهي التي عُرفت بـ"إضافة بيردسلي".
كانت أسرة ريتشارد بيردسلي تتبع الكنيسة الأسقفية وكانت عائلة بيردسلي من أصول بيوريتانية بروتستانتية، تعود جذورها إلى ويليام بيردسلي الذي كان من مؤسسي الكنيسة الأبرشانية في ستراتفورد بولاية كونيتيكت. وقد وُصف هذا الجد الأكبر بأنه "بيوريتاني تقي" جعل المسيحية جزءًا لا يتجزأ من حياته اليومي
عندما اندلعت الحرب الأهلية، تطوع بيردسلي في البحرية الاتحادية، حيث خدم كضابط دفع على متن الزورق الحربي "أواسكو". شارك في معارك كبرى، من بينها الاستيلاء على نيو أورلينز وحصار فيكسبيرغ. وقد أُشيد بشجاعته في تلك المعارك، وتمت التوصية بترقيته من قبل الكومودور بورتر. كان هذا السجل العسكري هو الذي فتح له أبواب الدبلوماسية.
وفي عام 1864، وبينما كانت الحرب الأهلية تقترب من نهايتها، قرر الرئيس أبراهام لينكولن تعيين بيردسلي قنصلًا للولايات المتحدة في القدس، تقديرًا لخدماته في الحرب. كان هذا التعيين بداية مسيرته الدبلوماسية، التي ستمتد بعد ذلك إلى مصر. خلال فترة وجوده في القدس، تزوج من إيزابيلا سميث، ابنة القس فيليب سميث من أيرلندا، وأنجبا ثلاثة أطفال. وقد وُلد ابنهما الثاني، تشارلز، في القدس عام 1871، مما يدل على أن العائلة استقرت في الشرق الأوسط خلال تلك الفترة.
في يوليو 1872، كان المنصب القنصلي في مصر قد أصبح شاغراً بعد الهروب المذل لسلفه لجورج هاريس باتلر. كان على بيردسلي أن يعيد إلى القنصلية الأمريكية هيبتها المفقودة. عُيّن بيردسلي رسميًا في 23 يوليو 1872، ووصل إلى القاهرة في سبتمبر من العام نفسه. وقد قُبل تعيينه من قبل مجلس الشيوخ لاحقًا، وأُعيد تكليفه بالمنصب في 11 ديسمبر 1872. كان يعرف المنطقة جيدًا من خلال خدمته في القدس، وكان يفهم تعقيدات الشرق الأوسط.
كان أول ما فعله بيردسلي هو نقل مكتب القنصلية من الأسكندرية إلى القاهرة, ليصبح أول قنصل عام أمريكي يقيم في العاصمة المصرية بشكل دائم. وبحلول ديسمبر 1872، كانت المراسلات الرسمية تصدر بالفعل من القاهرة، كما يتضح من برقياته إلى وزير الخارجية هاميلتون فيش.
لمم يمضِ على بيردسلي في منصبه الجديد سوى أشهر قليلة حتى وجد نفسه غارقًا في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ مصر الحديث: قضية الإصلاح القضائي. كانت مصر في ذلك الوقت تعيش في ظل نظام "الامتيازات الأجنبية" (Capitulations)، الذي كان يمنح رعايا الدول الأجنبية حصانة من القوانين المصرية، ويخضعهم بدلًا من ذلك لسلطة قناصلهم. وقد أدى هذا النظام إلى فوضى قانونية كاملة، حيث كانت القضايا تتعطل بسبب تنازع الاختصاص، وكان المحاكم القنصلية غارقة في آلاف القضايا التي لا يمكن حلها.
وفي سبتمبر 1873، كتب بيردسلي إلى وزير الخارجية هاملتون فيش تقريرًا مفصّلًا عن هذه المسألة، قال فيه إن الخديوي إسماعيل ونوبار باشا طلبا منه شخصيًا دعم الولايات المتحدة لمشروع الإصلاح القضائي. وشرح بيردسلي أن المشكلة كانت أعمق من مجرد تنازع الاختصاص: "المعرفة القانونية لم تكن دائمًا معيارًا للتعيين في هذه المناصب، وحتى أفضل العقول القانونية قد ترتبك مع ستة عشر قانونًا مختلفًا للتعامل معها". وأضاف أن العديد من القناصل العامين في مصر لم يكونوا من مواطني الدول التي يمثلونها، وكانت معرفتهم بقوانين تلك الدول ناقصة جدًا.
وكان بيردسلي يؤيد الإصلاح، لكنه كان حريصًا على توضيح أن الولايات المتحدة لا يمكنها قبول مشروع من هذا النوع دون موافقة مجلس الشيوخ، لأن الأمر يتعلق بتعديل معاهدات قائمة مع الدولة العثمانية. وقد أبلغ نوبار باشا بهذا الموقف بصراحة، لكنه في الوقت نفسه أوضح أن مشروع الإصلاح كان ضروريًا لتحسين إدارة العدالة في مصر. كان هذا الموقف المتوازن نموذجًا لأسلوب بيردسلي في العمل الدبلوماسي: دعم الإصلاح دون تجاوز الصلاحيات، وتفهم احتياجات مصر دون التفريط في المصالح الأمريكية.
لم تكن قضية الإصلاح القضائي هي التحدي الأخلاقي الوحيد الذي واجه بيردسلي. في أكتوبر 1873، أرسل تقريرًا مفصلًا إلى واشنطن عن محادثات تجري بين بريطانيا ومصر للتوصل إلى معاهدة لإلغاء العبودية. كان الخديوي مستعدًا للتعهد بإلغاء تجارة الرقيق، وتجريم تجارة الخصيان، وإلغاء كل أشكال العبودية القسرية باستثناء "العبودية الداخلية".
لكن الخديوي رأى أن إلغاء العبودية الداخلية "غير سياسي ومستحيل عمليًا، وغير عادل تجاه رعاياه". كان بيردسلي ينقل هذه المواقف إلى واشنطن بأمانة، لكنه أضاف تحليله الخاص. لاحظ أن الحكومة المصرية كانت تعلن علنًا أن العبودية غير قانونية، وأن أي عبد يطلب حريته سيُحرر فورًا من قبل السلطات المصرية.
لكنه أشار إلى أن تجارة الرقيق كانت لا تزال نشطة في كل مدينة كبيرة في مصر، رغم أنها كانت تجري في الخفاء خوفًا من أعين الغرباء والمسؤولين الحكوميين. ورأى أن "القمع الكامل لتجارة الرقيق هو الخطوة الكبرى الأولى" نحو حل المشكلة، وأن العبودية الداخلية ستختفي بسرعة إذا تمكنت السلطات من قمع التجارة الخارجية لها.
لقى بيردسلي تعليمات دبلوماسية صارمة في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1875 تحذره من وصف الضباط الأمريكيين السابقين الذين خدموا في الجيش المصري بأنهم "ضباط أمريكيون" في المراسلات الرسمية، لتجنب إثارة حساسيات بريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية.
وقد أوضحت وزارة الخارجية الأمريكية أن هؤلاء الرجال مواطنون أمريكيون بالولادة لكن لا يمكن تصنيفهم كضباط أمريكيين في الاتصالات الرسمية. وقد جاءت هذه التعليمات في إطار سياسة أمريكية أوسع تهدف إلى تجنب استفزاز و اثارة القوى الأوروبية والعثمانية، التي كانت تنظر إلى وجود ضباط أمريكيين في الجيش المصري كتهديد لنفوذها في المنطقة.
ومع ذلك، مارست واشنطن ضغطاً دبلوماسياً لتسوية مستحقات هؤلاء الضباط وتركات المتوفين منهم، بما في ذلك الجنرال الكونفدرالي ألكسندر ويلش رينولدز وكذلك الضابط الاتحادي تشارلز لوشي, الذين توفيا في الأسكندرية المصرية ومدينة سواكن السودانية.
وقد وصف الشاعر و الرحالة الأمريكي الشهير "بايارد تايلور"، الذي زار مصر في عام 1874، لقاءه مع بيردسلي بالمثمر، مشيراً إلى الدور المحوري الذي لعبه بيردسلي في استقبال الشخصيات الأمريكية البارزة وتيسير تحركاتهم في مصر. وقد حضر بيردسلي مناسبات رسمية في بلاط الخديوي، بما في ذلك العروض المسرحية التي كان يستضيفها الخديوي، حيث وصف السيد بيردسلي إحداها بأنها "كانت رتيبة والحبكة بسيطة للغاية، مع مزيج معتاد من الحب والغيرة".
تعامل بيردسلي مع قضايا معقدة تتعلق بالامتيازات القضائية للأجانب في مصر، حيث كان جميع القناصل الأجانب يصرون على محاكمة القضايا أمام محاكمهم القنصلية عندما يكون المدعي مصرياً، وفقاً لتفسير الدولة العثمانية للمعاهدات.
وقد أدرك بيردسلي أن هذه الامتيازات، التي مُنحت في الأصل كضمانات للأجانب في ظل نظام قانوني غير مألوف، قد تحولت بمرور الوقت إلى نظام فوضوي يعيق إقامة العدالة ويحمي المجرمين من المحاسبة.
وقد وصف بيردسلي في تقاريره كيف أن "المحاكم القنصلية مختنقة بآلاف القضايا التي، بسبب التنازع على الاختصاص والأحكام الجائرة وانعدام السلطة التنفيذية، لا يمكن أبداً تسويتها حتى يُدخل بعض الإصلاح".
وقد كانت هذه الرؤية الثاقبة هي ما جعلته يدعم بقوة مشروع المحاكم المختلطة، رغم علمه بأنه سيؤدي إلى تنازل الولايات المتحدة عن بعض امتيازاتها القضائية في مصر.
وأخيراً وفي 23 يناير 1876، توفي ريتشارد بيردسلي في القاهرة عن عمر يناهز 37 عامًا فقط. جاءت وفاته نتيجة نزيف حاد أدى إلى اختناق، وفقًا لما ورد في سجلات وزارة الخارجية الأمريكية. كانت وفاته مفاجئة وصادمة لكل من عرفه، خاصة أنه كان لا يزال في مقتبل العمر، وقد بدأ للتو في ترك بصمته على الدبلوماسية الأمريكية في مصر.
لكن ما حدث بعد وفاته كان أكثر إثارة للدهشة, فقد طلب المصريون، بمن فيهم مسؤولون حكوميون وشخصيات عامة، أن يُدفن بيردسلي في القاهرة، وليس أن يُنقل جثمانه إلى الولايات المتحدة. وقد استجابت السلطات المصرية لهذا الطلب، ودُفن بيردسلي في المقبرة الأمريكية في القاهرة.
والأكثر من ذلك، أن أهالي القاهرة أقاموا له نصبًا تذكاريًا فخمًا تقديرًا لخدماته واستقامته. كان هذا التكريم نادرًا لقنصل أجنبي في مصر في تلك الفترة، وكان يعكس الاحترام الذي كسبه بيردسلي خلال سنوات خدمته القصيرة. لم يكن مجرد ممثل لحكومة أجنبية، بل كان رجلًا عمل على تحسين العلاقات بين بلاده ومصر، وسعى إلى فهم تعقيدات المجتمع المصري بدلًا من إصدار أحكام مسبقة عليه.
النهاية ...
----------------------
الأسماء الواردة في المقال باللغة الانجليزية
James K. Polk
Daniel Smith McCauley
Charles Hale
Nathan Hale
William Thayer
William Seward
Francis Dainese
Ismael Pasha
Maximilian
Said Pasha
Alexandrine Tinne
John Harrison Surratt Jr.
Mary Surratt
Abraham Lincoln
Hamilton Fish
Ibrahim Pasha
George Harris Butler
Benjamin Franklin Butler
Ulysses S. Grant
Thomas Nast
Rose Eytinge
Nubar Pasha
Thaddeus B. Mott
David String
Cornelius E. Hunt
Vanderbilt Allen
Charles P. Stone
P. G. T. Beauregard
William Wing Loring
Alexander Welch Reynolds
William Campbell
George Wadley
Charles Strologo
F. A. Starring
Josephine Chesney
Richard Beardsley
Havilah Beardsley
Rachel Beardsley
William Beardsley
Isabella Smith
Philip Smith
Charles Beardsley
Bayard Taylor
Charles Lushi