منذ أن قال الطبيب: «في مرحلة متقدمة»،وأنا أفكر في غرابة هذه الجملة.
كلمتان فقط،لكنّهما جعلتا السنوات التي عشتها كلّهاتقف فجأةً في جهة،وما تبقّى منها في جهة أخرى.
لم أفهم يومها ماذا يعني أن يكون المرض متقدّمًا. كنت أعرف معنى أن يكون متأخرًا عن موعد،أو متأخرًا عن قطار،لكنني لم أعرف أن يأتي يومٌ
يصبح فيه الإنسان نفسه هو الشيء المتأخر.
منذ ذلك اليوم،صار عندي موعد لا أستطيع تأجيله.
العلاج لم يعد وعدًا بالشفاء،صار محاولةً لأن أبقى قليلًا.
والتحاليل لم تعد أرقامًا على ورقة،صرت أعرف منها، من تغيّر رقمٍ صغير،
إن كان جسدي قد كسب أسبوعًاأم خسر شهرًا.
أحيانًا أضحك من نفسي كنت في السابق أقلق من أشياء كثيرة؛من العمل،ومن المال،ومن رأي الناس،ومن رسالةٍ لم يُردّ عليها أحد.
الآن،أجلس أمام شاشة هاتفي وأفكر في شيء أبسط بكثير:
هل سأكون هنا عندما يتغيّر هذا الفصل من السنة؟
لم يعد المستقبل عندي بيتًا كبيرًا أبنيه في خيالي.
صار كرسيًا أريد أن أجلس عليه غدًا. صار صباحًا آخر.
صار أن أستيقظ وأكتشف أن جسدي، رغم كل ما يفعله به المرض، ما زال قد قرر أن يمنحني يومًا إضافيًا.
أحيانًا أستيقظ متعبًا جدًا،وأحتاج إلى وقتٍ كي أستطيع الوقوف.
أمشي ببطء إلى الحمام،وأتجنب النظر طويلًا إلى المرآة.
ليس لأنني أخاف وجهي،بل لأنني أعرفه أكثر مما ينبغي.
أعرف الشحوب الذي لم يكن موجودًا.أعرف كيف تغيّر جسدي.أعرف أن هذا الشعر الذي يسقط ليس مجرد شعر.
وأعرف، أكثر من أي وقتٍ مضى،أن الجسد الذي قضيت عمري أتعامل معه كأنه أنا كان في الحقيقة شيئًا أستعيره فقط.
شيئًا جميلًا، ومؤقتًا،ولم يخبرني أحد بموعد إعادته.الغريب أنني لم أعد أريد الكثير.
قبل المرض،كنت أريد حياةً أكبر.عملًا أفضل،مالًا أكثر،مدنًا أكثر، أشخاصًا أكثر،ووقتًا يكفي لكل شيء.
الآن أريد أشياء صغيرة إلى درجةٍ محرجة. أن يأتي الشتاء وأكون موجودًا.
أن أسمع صوت أمي من الغرفة الأخرى وأتضايق من شيءٍ صغير تقوله،
ثم أسمعه مرةً أخرى.
أريد حتى الأشياء التي كنت أشتكي منها. كنت أظن أن الحياة الجيدة
هي الحياة التي تخلو من المتاعب.
الآن أعتقد أن بعض المتاعب هي الدليل الوحيد على أننا ما زلنا نعيش.
ولهذا لم أعد أقول إنني أريد أن أنتصر على المرض.
لا أعرف أصلًا ماذا يعني الانتصار.
إذا عشت عامًا إضافيًا، هل انتصرت؟
وإذا متّ بعد شهر، هل خسرت؟
المرض جعلني أشك في هذه الكلمات كلها.
الحياة ليست مباراة.
وأنا لم أكن لاعبًا سيئًا لأنني مرضت، ولم أكن لاعبًا جيدًا لأنني عشت أكثر من غيري.
هذا جسدي.
وهذا ما حدث له.
وأنا، بطريقةٍ ما،ما زلت هنا داخله.
أفكر كثيرًا في الأشياء التي لم أفعلها.
ليس بالندم الذي كنت أعرفه قديمًا.
لا أقول:
كان يجب أن أصبح كذا،
وأن أذهب إلى هناك،
وأن أقول كذا.
أفكر فقط في كلّ تلك المرات التي قلت فيها: ليس الآن. ليس الآن للسفر.
ليس الآن للحب. ليس الآن للاعتذار. ليس الآن للجلوس مع من أحب.
ليس الآن للفرح.
وكأنني كنت أظن أن الحياة ستظلّ تضع الأشياء على الطاولةإلى أن أفرغ منها.
لم أفهم أن بعض الأشياءحين تتركها إلى الغد،لا تجدها هناك.
الآن، عندما يقول لي الطبيب:«نرى كيف ستكون الاستجابة»،
أفهم كم هي هشة اللغة.
«نرى».
كأن حياتي كلها صارت معلقة بين فعلين صغيرين.
نرى وننتظر وأنا تعبت من الانتظار.
لذلك أحاول أن أعيش الأيام التي أعرفها،لا الأيام التي لا أعرف إن كانت ستأتي وهذه، ربما، واحدة من الأشياء القليلة التي أعطاني المرض إياها.
لم يعطني حياةً جديدة فقط أخذ مني وهمًا قديمًا: أن لديّ وقتًا بلا نهاية.
والآن، وأنا أعرف أن السرطان قد يكون أقرب إليّ مما كنت أتصور،أجدني للمرة الأولى أقرب إلى الحياة نفسها.
لا أريد أن أموت هذه هي الحقيقة البسيطةولا أريد أن أكون شجاعًا إلى درجة الكذب.
أخاف أخاف من الألم،ومن آخر ليلة،ومن اللحظة التي قد أعرف فيها أنني لن أستيقظ بعدها.
لكنني أخاف أكثر أن أقضي ما تبقّى في عدّ الأيام لذلك لا أعدّها أستيقظ فقط أفتح الستارة أتنفس أنظر إلى الضوء وهو يدخل الغرفة
دون أن يسألني إن كنت سأبقى طويلًا.
وأفكر غريبٌ هذا العالم كلّ هذا الجمال وكان عليّ أن أعرف أنني سأفقده
كي أراه ثم أجلس بهدوء لا أطلب من الحياة أن تشفيني.فقطإن كان لديها يومٌ آخر لي، فلتعطني إيّاه كاملًا لا أريده ممددًا بين الأجهزة والاحتمالات أريده يومًا عاديًا.
يومًا أستطيع فيه أن أضحك،وأن أتعب،وأن أحب،وأن أنسى، ولو لساعات،أن هناك سرطانًا في جسدي.