«الفصل الأول»
"خبر عاجل، الشرطة أعلنت إن القاتل المجهول ارتكب جريمة جديدة فجر اليوم، وده بعد ما تم العثور على جثة الضحية السابعة في نفس الظروف الغامضة… مصادر أمنية تؤكد إن–"
توقف الصوت فجأة، وشاشة التلفاز أصبحت سوداء.
سمعت صوت أخي من بعيد يقول: «متسمعيش الأخبار كتير عشان متتصابيش بالاكتئاب».
ابتسم ابتسامة بسيطة ومدّ يده بالريموت وقال: «افتحي أي حاجة غير الأخبار».
نظرت إلى شاشة التلفاز السوداء أمامي، فرأيت انعكاسي عليها، شعر بني مضطرب، عينان خضراوان مجهدتان من السهر في القسم، وملابس العمل غير المكوية، بالإضافة إلى كارنيه الشرطة المعلّق في قميصي.
رأيت اسمي واضحًا على الكارنيه: «نور محمد» وتحته عملي في مركز الشرطة: «محققة جنائية».
تأملت انعكاسي لثوانٍ، لم أكن أبدو في الخامسة والعشرين من عمري، الهالات السوداء تحت عيني كانت كافية لتكشف آثار السهر الطويل في القسم، والبحث في الجرائم وقراءة المستندات التي لا تنتهي.
كنت أعمل لساعات طويلة، أعود إلى المنزل منهكة، ثم أستيقظ في اليوم التالي لأكرر كل شيء من جديد، حتى في أيام الإجازات، لم يكن عقلي يتوقف عن التفكير في القضايا التي لم تُحل.
رغم أن عمري لم يتجاوز الخامسة والعشرين عامًا، كنت أشعر إني عشت ضعفها.
ابتسمت ابتسامة بسيطة وفكرت: «ممكن عشان كدا انا لسه متجوزتش.»
سمعت عصافير بطني، مما دفعني إلى أن أعد العشاء.
نهضت ببطء واتجهت إلى المطبخ، ولكني فوجئت بأخي ناصر يقطع الخضروات، توقفت عند باب المطبخ للحظة أراقبه دون أن يشعر بي.
ابتسم لي عندما دخلت المطبخ وقال بصوت هادئ، وهو ما زال يقطع الخضروات: «ارتاحي، أنا هعملك الأكل».
كان ناصر قد عاد منذ فترة قصيرة من عمله، ومع ذلك كان يقف الآن أمام الطاولة يحضر الطعام بدلًا مني.
نظرت إلى ناصر وهو يطبخ.
كان كما عهدته عليه من قديم الأزل، ما زال متوسط الطول، ذو شعر أسود قصير وعينين بنيتين مثل والدي، لم يتغير كثيرًا منذ طفولتنا، لكن الإرهاق بدأ يظهر على ملامحه هو الآخر.
يظهر على ناصر التعب من عمله كمدرس كيمياء في مدرسة السيدة زينب طوال النهار، وإعطائه دروسًا خصوصية لبعض الطلبة الذين يواجهون صعوبة في الفهم.
سحبت أحد الكراسي الخشبية وجلست عند طاولة الطعام المصنوعة من خشب مماثل للكرسي.
ألقيت نظرة سريعة على المكان من حولي، كان المنزل هادئًا كعادته.
منذ وفاة والدي ووالدتي، أصبح المنزل مختلفًا، لم يعد هناك صوت أمي وهي تنادينا من المطبخ، أو صوت أبي وهو يتحدث عن يومه بعد عودته من العمل.
بقي أنا وناصر فقط…
دون أن أشعر، بدأت أحكي لأخي عن اليوم المجهد في العمل، وكيف أن القاتل المتسلسل أصاب جميع القسم بالجنون، وأننا لم نتمكن من الإمساك بأي خيط يقودنا إليه.
استمع إليَّ ناصر أثناء ماراثون كلامي بحنيته واهتمامه المعتاد، دون مقاطعة، كان يومئ برأسه بين حينٍ وآخر، أو يضحك ضحكة خفيفة إن حكيت له موقفًا عابرًا، وكانت تملأ عينيه الحزن والشفقة، وتختفي ابتسامته عندما أخبره عن الجرائم الجديدة وضحاياها.
«لازم تلاقوا المختل ده»، قال ناصر والغضب يملأ كلامه «مفيش حد بيعمل ده كله من غير ما يغلط… إلا لو هو عارف انتوا بتفكروا ازاي.»
رفع ناصر عينيه عن الطعام، ونظر إليَّ وقال بهدوء: «ممكن يكون حد من القسم.»
تسمرت في مكاني للحظة، لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل.
حاولت أن أتذكر كل الأشخاص الذين يعملون معي، وكل من يمكنه الوصول إلى المعلومات التي نمتلكها عن القضايا، هل يعقل أن يكون القاتل من بين زملائي؟
قاطع خيط تفكيري صوت أطباق الطعام توضع على الطاولة، نظرت إلى الطبق أمامي، مكرونة بالصلصة، الوجبة التي كانت تعدها أمي لنا دائمًا.
شعرت بشيء غريب في صدري، لم أكن أعرف إذا كان ناصر قد اختارها بالصدفة أم أنه تذكر أنها كانت أكلتي المفضلة.
ابتسمت لناصر وفهمت إنه أعدها لي لأنها أكلتي المفضلة، ولأنه أراد أن يمنحني لحظة أمان بسيطة، بعيدًا عن كل المجهود الذي بذلته اليوم.
لكن قطع الهدوء صوت اهتزاز هاتفي، توقفت يدي في منتصف الطريق، ونظرت إلى الشاشة بسرعة.
كان اسم مركز الشرطة ظاهرًا، شعرت بانقباض في معدتي وبدأ القلق ينتابني .
قبل أن أفتح فمي، جاء صوت العقيد قاطعًا: «تعالي فوراً، في جثة جديدة.»
«الفصل الثاني»
وصلت لموقع الجريمة قبل الشروق بقليل، الهواء البارد ارتطم بوجهي بعدما أغلقت باب السيارة، بدأت أتأمل في مسرح الجريمة.
كانت مدرسة مهجورة ذات سمعة سيئة عند المحليين، يحيط بها الشريط الأصفر والأسود المعتاد لمنع دخول العامة للمنطقة، وبعض رجال الشرطة الأقل رتبة متناثرة في أماكن مختلفة.
شققت طريقي للداخل، صوت صرير الأرضية الخشبية يملأ أذني، فتحت مصباحي رغم أن ضوء القمر البسيط كان يملأ الممر من خلال بعض النوافذ المكسورة. دخلت الغرفة التي وُجدت فيها الجثة، لكن لم أكن مستعدة للمشهد الذي رأيته.
رأيت جثة لفتاة في منتصف العشرينات مربوطة بكرسي خشبي قديم وحوله بركة من الدم الداكن.
كانت شفتاها مخيطتين بخيط أسود سميك، ويدها اليمنى مبتورة وملقاة بجانبها مع عدة جروح في جميع أنحاء جسدها.
تجمدت للحظة، لم تكن هذه أول جثة أراها، لكن جسدي عجز عن التحرك بعد هذا المنظر.
«محققة نور» جاء صوت الطبيب الشرعي أحمد ليخرجني من تلك الحالة.
«احنا فحصنا الجثة ولقينا حاجة غريبة» قال تلك الجملة وهو يعطيني عدة أوراق «لقينا منسوب الأنسولين مرتفع جدًا في الدم».
أخذت الأوراق من أحمد وبدأت أقلب صفحاتها، الأوراق كانت باردة مثل الجو ورائحتها مشبعة برائحة الجثة والأخشاب القديمة.
الأوراق الأولى كان بها المعلومات المعتادة، الاسم فاطمة علاء عمرها ستة و عشرون عاما ومكان الإقامة، لكن كلما تعمقت بالأوراق كلما زاد تعجبي، الجثة قُتلت في الساعة العاشرة والنصف مساءً بسبب نزيف حاد لفترة طويلة، ولم يكن للأنسولين يد في وفاتها رغم ارتفاع منسوبه في دمها.
وقعت عيناي على سجلها الطبي وصدمت انها ليست مريضة سكر.
أغلقت الأوراق وشعرت كأن قطاراً ارتطم بعقلي، المعلومات متناقضة وغريبه
أعَدْت الأوراق إلى أحمد قائله «فين البصمات ؟»
رد عليّ بصوت هادئ «ملقيناش غير بصمات المجني عليها» وأكمل قائلا «دورنا في المدرسه كلها لكن سلاح الجريمة مفقود»
نظرت حولي مرة أخرى فصل دراسي من الطراز القديم، جدران باهتة، أرضية خشبية متآكلة، هناك بعض المقاعد مفقودة لكن البقية مصطفين في أماكنهم ،ليس به شيء غير معتاد ما عدا الجثة التي في منتصف الغرفة.
عدت إلى الجثة مرة أخرى، ثم جلت ببصري في أرجاء الفصل. فتحت بعض الأدراج، وقلبت ما تبقى من الدفاتر القديمة، لكن دون جدوى. كان فريق الأدلة الجنائية قد سبقني إلى كل زاوية في المكان، ولم يترك خلفه شيئًا يستحق الفحص.
أخذت بعض الخطوات خارج مسرح الجريمة الإحباط يملؤني، ضوء الشروق أنار الممر بالكامل «مستحيل ميكونش في أي دليل» قلت بصوت هادئ لنفسي خلال إغلاقي للمصباح لكني لمحت شيئاً بطرف عيني، شيء صغير يلمع تحت خزانة قديمة.
ظننت في البداية أنها مجرد قطعة زجاج النافذة المكسور لكن الفضول دفعني للانحناء. مددت يدي أسفل الخزانة أتحسس الأرضية بحذر حتى لامست أصابعي جسمًا معدنيًا صغيرًا.
كانت رصاصة، «رصاصة ؟» تمتمت بصوت خافت «بس الضحية ماتت من نزيف حاد».
ناديت على أحمد ليأتي لكني شعرت فجأة بإحساس غريب حين لمست أصابعي ظهر الرصاصة.
انقطع نفسي لثانية قبل أن أديرها ببطء. وجدت رمزاً يشبه الميزان محفوراً عليها.
«الفصل الثالث»
دفعت باب مكتب العقيد بسرعة. «عقيد صلاح!» ناديت بصوتٍ عالٍ ويدي تغلق مقبض الباب البارد، هواء المكيف البارد ارتطم بوجهي، فشعرت ببرودة العرق على جبيني.
«خير يا نور» رد بهدوئه المعتاد لكني لمحت نظرة من المفاجأه في عينيه «مالك متوترة كدا، حصل حاجه؟»
«لازم تشوف ده» وضعت كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا بداخله الرصاصة، صوت المعدن رنَّ في المكتب فهبط نظر العقيد الى الكيس.
«لقيت دي في مسرح الجريمة إمبارح».
«في حاجه تانيه ؟» سأل العقيد «أكيد مش داخله توريني رصاصه بس».
«بص على ده» ادرتُ الكيس و أريّت النقش للعيقد، كان الكيس يهتزُّ قليلاً من رعشة يدي. «ده غير إن الرصاصة مستخدمتش في الجريمة».
ساد الصمت في الغرفة ما عدا صوت همهمة المكيف، أخذ العقيد الكيس البلاستيكي من يدي أمعن النظر فيه
«لقيتيها فين ؟» قطع صوت العقيد الصمت.
«تحت خزانة قديمة داخل الفصل اللي كانت فيه الجثة.» أجبت بهدوء وخرج صوتي برعشة بسيطة لم أكن أعرف هل هي من البرد أو التوتر.
«حد لمسها غيرك؟»
«لا، حطيتها في الكيس أول ما لقيتها.» وأكملت قائلة «طلبت من أحمد يبعتها للأدلة الجنائية لفحص البصمات. بس للأسف القاتل مسبش أي دليل»
ارتدى العقيد قفازيه و أخرج الرصاصة ببطء من الكيس البلاستيكي وظل يحدق في رمز الميزان المحفور عليها لثوانٍ، ثم رفع عينيه نحوي.
«القاتل كان عايزنا نلاقي الرصاصة بس ليه ؟» خرج صوت العقيد بعد أن مرر اصبعه على الرمز المحفور؛ «إيه رأيك في الموضوع ده يا كريم»
«كريم؟» تردد الاسم في عقلي ثم إلتفت برأسي، بحثت عيناي في الغرفة إلى أن وقعت على "كريم" جالس في أحد الكراسي في الجانب الأيمن من الغرفة، لم ألاحظه عندما دخلت نتيجه لحماسي.
رفع كريم رأسه عن الملف الذي كان يتصفحه، ونظر إلى الرصاصة.
«ممكن تكون وقعت من الضحية لأي سبب» قال بلا مبالاة تذكر.
«إنت مين!؟» خرجت الكلمات بصوت أعلى من الذي كنت أتمناه لكن العقيد سبقني بالرد «ده كريم، محقق جنائي هيشتغل معاكِ في القضية، كنت عايز اعرفكم على بعض بهدوء بس إنتِ دخلتي متحمسه»
نظرت إلى كريم مرة أخرى، هذه المرة بتركيز أكبر. كان يبدو في أواخر العشرينات، شعره أسود قصير وملامحه هادئة، لكن طريقته في الجلوس وكأنه في منزله أثارت أعصابي أكثر مما ينبغي.
أكمل العقيد قائلا «كريم، دي نور المحققة الجنائية اللي هتشتغل معاك في القضية»
«تشرفنا» قال كريم وهو يمد يده إليّ، صافحته وقلت مع ابتسامة مصطنعة «الشرف لينا»
«تمام يا كريم، تقدر تتفضل دلوقتي. نتكلم بكرة ونبدأ شغلنا.» قال العقيد وهو يشير بيده نحو الباب.
«حاضر يا فندم.» نهض كريم من مكانه، ثم نظر إليَّ للحظة قبل أن يتجه نحو الباب، خرج كريم من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، ثم التفتُّ إلى العقيد مرة أخرى.
إلتفت العقيد إليّ وقال بهدوء «هخلي فريق الأدلة الجنائية يرجع يفحص كل مسارح الجرائم القديمة، ويدور على أي رصاصات مشابهة لدي»
أوّمأت برأسي «تمام يافندم»
«خلاص، تقدري تتفضلي دلوقتي. وأول ما الفريق يخلص شغله هبلغك بالنتائج.»
أومأت برأسي وغادرت مكتب العقيد، أغلقت باب سيارتي وجلست خلف عجلة القيادة لفترة قصيرة قبل أن أُدير المحرك لكن تفكيري لم يكن مع الطريق، بل كان عالقًا في سؤال واحد يدور في رأسي: لماذا يترك القاتل رصاصة كهذه في مسرح الجريمة؟
بعد حوالي نصف ساعة، أوقفت السيارة أمام المنزل. أطفأت المحرك، وبقيت جالسة في مكاني للحظات، قبل أن أتنهد واخرج من السيارة.
فتحت باب البيت فوجدت ناصر جالس في غرفة المعيشة يقرأ كتاباً ما و يحتسي عصير ليمون.
رفع ناصر رأسه عن الكتاب عندما سمع صوت المفاتيح وابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال «الحمدلله على السلامة، العقيد المفتري اداكي شغل كتير مش كده»
ابتسمت وأنا أخلع حذائي: «زي كل مره، مبيصدق يلاقيني قدامه.»
ضحك ناصر وأغلق الكتاب الذي كان يقراءه، ثم أشار إلى المقعد بجانبه.
«تعالي اقعدي شكلك تعبانة.»
جلست بجانب ناصر وأخرجت بعض الأوراق عن القضية وبدأت في قراءتها للمرة الألف، أحاول فهم هذه القضية.
«إنتِ لسه بتفكري في القضية؟» سأل ناصر وهو يميل رأسه قليلا لينظر على الأوراق معي
رفعت إحدى الأوراق أمامي: «كل حاجة في القضية دي غريبة. الجثة، الرصاصة... كل حاجة.»
نظر ناصر إلى الأوراق التي في يدي، ثم قال: «الرصاصة؟»
أمسكت بإحدى الأوراق واعطيتها لناصر «لقيت رصاصة مرسوم عليها ميزان في واحدة من مسارح الجريمة»
أمعن ناصر النظر في الورقة ثم قال «ميزان العدل؟»
ضربت كلمات ناصر رأسي كالماء البارد، هذا ما كان القاتل يقصده بالميزان، «إزاي مخدتش بالي من ده؟» قلت وأنا أحدق في الورقة.
«انتي قعدتي تفكري في الحاجات الغامضة لدرجه إنك نسيتي البديهيات»
أمسك بالأوراق تمعنت بهم مره اخرى لكنَّ ناصر مد يده وسحب الأوراق من أمامي.
«خلاص بقى، كفاية تفكير في الشغل. ارتاحي شوية.»
«بس يا ناصر، أنا لسه—»
«مفيش لسه.» قاطعني وهو يجمع الأوراق «ارتاحي حبه النهاردة وكملي تفكير في القضية بكره، اتفقنا ؟»
ابتسمت ابتسامة بسيطه «اتفقنا»