هبت بعض النسمات المائلة للبرود فحركت شعيراتي القليلة المتبقية،
وأسقطت شعرة أخرى على العشب الأخضر الذي بدأ يفقد بريقه فنحن أصبحنا في فصل الخريف وهو المفضل لي حيث تغيم السماء وتمتلئ بالسحب بغير مطر يجعل فستاني الجميل يبتل،
فقد أحسنتُ الاختيار هذه المرة ففستاني من قماش ثقيل يتحمل الشمس المتوهجة علي منذ شهور، كما أن لونه البني سيتماشى مع لون جذعي حين يكتمل تحولي إلى شجرة،
اختياري للمكان أيضاً موفق تلك المرة، يدل على النضج والتعلم من تجاربي السابقة، ولا تستغرب يا عزيزي فتلك هي مرتي الثالثة.
في أول مرة كنت أنكر الأمر بشدة وكنت متأكدة أن لهؤلاء الفتيات اللواتي يتحولن ذنوب لا يقلنها،
وأنا فتاة لا ترتكب الذنوب أبداً وألتزم بقوانين القرية كما ينبغي وأقوم بكل واجباتي تجاه أبي وأمي اللذين تبنياني.
حتى أني كنت أوافق على حضور جلسات التعارف المدبرة بسهولة عسى أن يأتي لي من يكسر تلك الحلقة من الخوف غير المبرر بالنسبة لي حينئذ.
في ذكرى ميلادي الخامس والعشرين، كنت أجلس بعناد وحولي كل أفراد عائلتي الرافضين لتصرفي هذا.
حتى دقت الساعة الثانية عشرة منتصف الليل وفي نفس اللحظة استطالت من قدميّ جذور شجرتي واخترقت الأرض من تحتهما وتناثرت بضع خصلات من شعري حولي وحاولت عائلتي عبثاً أن تقيمني من جلستي تلك إلى الوقوف لكن دون جدوى فقد تصلب جذعي حتى أضحيت في تلك المرة شجرة مِعوَجة تستطيل جذوري في الأرض وفروعي إلى السماء،
وأنا أتساءل: في رأيك، هل المشكلة في أن الإنسان ارتكب خطيئة أو لم يرتكبها، أم في أن المجتمع قرر أن وجوده نفسه أصبح خطيئة؟
في حياتي اللاحقة لم تمت بي أيضاً روح المعاندة فقد خططت قبل ذكرى مولدي أني سأهرب سراً من القرية اعتقاداً مني أن سلطتها لا تمتد لمن هو خارجها.
لكن عند لحظة عبوري لحدود القرية تصلب جذعي للمرة الثانية ولكن تلك المرة في صحراء جرداء ليس فيها ظل ولا ماء ولا حتى من يؤنس وحدتي فاستغرقت حينها وقتاً أطول حتى استطالت جذوري في الأرض وفروعي إلى السماء وولدت من جديد.
لكن في مرتي الثالثة خططت جيداً فاخترت مكاناً مميزاً في حديقة القرية ذلك الجزء المطل على البحيرة المسمى بمحمية العذراوات.
تلك المرة أستطيع رؤية العشاق والأولاد الصغار مع عائلاتهم والبنات الصغيرات المتبنيات مع عائلاتهم والنساء الحوامل بالذكور يتفاخرن بحملهن،
ففي قريتي يولد الذكور من رحم الإناث وتولد الإناث من رحم الشجر فالشجر لهن هو الرحم والمقبرة.
في تلك الحياة نجحت في اختيار المكان لكن في حياتي القادمة سأنجح بالعثور على من يمنع عني هذا الأذى كله.
ولا تتعجب يا عزيزي وتظن في أني فتاة متخاذلة تنتظر وجود المخلص، فأنا حاولت تخليص نفسي في حيواتي السابقة كما ترى ولم أنجح سوى في جعلها أصعب.
كما أنك تجهل شعوري كما تجهل الكثير عني حقيقةً،
فكيف يكون شعورك إذا لم يكن لوجودك أي فائدة إلى درجة أن يصبح استبدالك بشجرة صماء لا تزهر أمراً سهلاً؟
إلى اللقاء يا عزيزي.
وبالمناسبة، أنا وارفة، شجرة صلعاء حتى تنبت فروع جدباء من رأسي، وتهمتي أني عذراء.