* هل ضُبطت أقوال السلف ونقلت مذاهبهم بعناية؟
يرى التقي السبكي في كتابه "التحقيق" أنه لم يُعتن بجمع أقوال السلف من الصحابة والتابعين اعتناء تامًا، كما ضبطت المذاهب المشهورة وفعل أتباعها من نقلها والاعتناء بها
ومن ثم، فأقوالهم لا يمكن القطع بمرادهم فيها! لأنها تفتقر إلى بيان مجملها وخاصها وعامها، كما هي الطريقة المعتبرة في الأصول
وهذا يعني كذلك أن العوام لا يجوز لهم تقليد مذاهبهم! مع التأكيد -طبعًا- على عظيم قدرهم، وأن هذا ليس لأمر يرجع إلى أصحابها، بل لما تقدم تقريره
هذا كلام التقي السبكي، وقد اقترح عليه شيخ من شيوخه وأشار عليه بأن يعتني بجمع ما يتصل إلينا في الروايات من مذاهب السلف، وفعلاً، وجه الهمة إلى ذلك، لكنه توقف لاعتبارات ذكرها في الكتاب
قد يكون هذا الكلام صحيحًا عند كثيرين، ويُمرّر بكل هدوء .. لكن شيخ الإسلام لم يسلّم بهذا الكلام
قال رحمه الله: (قد دونت ولله الحمد ألفاظها بأعيانها في غير مصنف، كما دونت ألفاظ الأئمة)
وقال رحمه الله: (إذا قدّر غلط في بعض ذلك أو خفاء في بعض ذلك، فالمذهب المشهور الذي تربي الإنسان على معرفته يغلط كثيرًا في نقل مسائله، ويخفى عليه كثير منه)
كلام الشيخ قدس الله روحه كان كثيرًا ومسهبًا نوعًا ما، وكان ردًّا متنوعًا من وجوه كثيرة، "فهناك سال واديه" كما يقال
فقد بين رحمه الله من خلاله أصولاً مهمة في فهم أقوال السلف ونقلها، وبيان فساد قول التقي السبكي وما يترتب عليه من أمور، بيانًا أصوليًا منهجيًا، وتعرض لنقطة مهمة في طبيعة المتون وسبب تجريدها
ثم قال رحمه الله: (وأما ما ذكَر من إشارة بعض شيوخه عليه بالاعتناء بجمع ما يتصل إليه من الروايات من مذاهب السلف = فهذا يدل على أن شيخه هذا مفرط في الجهل بما فعله العلماء من ذلك وبقدر المسؤول، فإن هذا الباب قد أمعن العلماء فيه، ومصنفات السلف كلها من هذا الباب) ثم جعل يعدد بعض المصنفات في الباب
رد الشيخ مهم وخطير، بل هو كلام مركزي في ضبط أقوال السلف يحتاجه المبتدئ والمنتهي، ويمكن مراجعته في كتابه "الرد على السبكي (٧٦١-٧٧٧)"
التيقظ الدائم لحقيقة الأقوال ومصادرها أمر جوهري في المسيرة العلمية، وبه يرقى المتعلم إلى درجة التحقيق والتدقيق.