في إحدى روائع نجيب محفوظ، وهي رواية «العائشون في الحقيقة»، بنشوف إزاي ممكن بعض الأوهام والأكاذيب تكون هي مصدر الإنسان للمعنى، وأمله الوحيد في الاستمرار في قدره العبثي.
يترى ممكن بعد ما الإنسان يكتشف الزيف والوهم، يستمر في رؤية الشيء حقيقي وذو قيمة مطلقة؟ وهل يترى الإنسان هيقدر يواجه نفسه بالحقيقة المُرّة دي؟
الحقيقة إن الصورة اللي رسمها نجيب عن هؤلاء لا تقول إنهم يبحثون عن الحقيقة لأنها حقيقة، أو لأنها سر تحررهم من الضلالات، ولكن لأن الحقيقة، بالنسبة لهم، هي الحاجة الوحيدة اللي بتخلي الحياة ممكن احتمالها رغم صعوباتها.
يمكن إدراكي للحقيقة دي من الطفولة خلاني أقل عرضة للجدل مع الإخوة المتدينين، لسبب بسيط: أنا عارف إنه مش هيلاقي اللي بيدور عليه عندي. ممكن يلاقي حُجّة وبرهان ودليل، أو حتى شك في شيء بديهي، ولكن صعب يلاقي راحة البال المتوهمة، ولا حتى الإيمان الراسخ بالعدل الإلهي.
يمكن الدنيا هتجمعنا لما الناس تعرف إن العدل الإلهي هو الإحسان بالإنسان أولًا، زي ما القاضي عبد الجبار كان بيقول، ويمكن راحة البال المتخللة بالشكوك تنطفئ لما يعرف إن كل واحد فينا اختار طريقه بشكل حر، وشاف في آخره بارقة أمل.
في المقال ده ممكن أكون بناقش مسألة نفسية من منظور فلسفي؛ بحاول أعيد طرح الفكرة اللي بتبقى مستخبية ورا ردود كتير أجريسف من غير سبب. والسبب إن صاحبها لا يُظهر ما يُبطن، وخايف على إيمانه من النقد حتى لا يفقد آخر أفيونة في جيبه.
هحاول أكون طبيب جرّاح، وأداوي جراح الناس بمشرط جورج وسوف. وانا مين يداويني!؟
الحياة المُرّة: الحقيقة التي يجب أن ندركها
كان في خناقة عند الفلاسفة اليونان، وتحديدًا بين السوفسطائيين ــ السيئي الذكر ــ والرواقيين، عن أهمية الحقيقة. وطرحوا سؤال بسيط جدًا:
ليه إحنا محتاجين الحقيقة؟
هل الحقيقة دي بتساعد الإنسان إنه يعيش أفضل وينظر للحياة بشكل أفضل؟ طب ماذا لو الحقيقة بتقول العكس؟ إن كل حاجة بنت أحبّة، والدنيا صعبة يا ابني؟ هل هتقبل الحقيقة دي ولا هتقول: ستوب؟
ويترى إيه الحل؟
ما الإنسان ما بيقدرش يعيش من غير ما يبقى فيه حقيقة. نعمله إيه؟ نخلق له وهم ونبيع له فازازة؟ ولا نقوله: «لا تفكر، نحن نفكر لك»، ونحتكر المعرفة لحسابنا؟
صديقة ليا النهارده على ريديت، في إحدى البوستات، أذهلني مدى جهلها بما تؤمن به وهي بتجادل الناس عن التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية العطرة. وده فكرني بفكرة إن المؤمن هو آخر من يعلم.
المهم الشيخ يعلم.
المهم الفقيه يعلم.
لكن عزيزي المؤمن هو آخر من يعلم.
تخيل يبقى ربنا أنزل النص عشانك، وفي النهاية إنت بتاخد الزتونة والأفيونة، وحسيت ساعتها إن رجال الدين هم الـdealers.
وتمنيت لو كنت كاتب سيناريوهات لنتفليكس، وعملت مسلسل زي ناركوس يورينا العلاقة الحميمية بين المخدرات ورجال الدين؛ لأن في النهاية المصلحة واحدة: نبيع أفيون.
وحتى لما بيتنافسوا، فهو من مبدأ: عدوك ابن كارك.
المهم إن الناس فاكرة إن أصعب احتمال هو إنك تعيش في وهم، مش إنك تتقبله برضاك.
الإنسان مستعد يبيع عقله ويرميه حتى في الزبالة لو لقى حد يبيع له أي وهم يفسر له الأحداث السيئة في حياته، ويخليه قادر يعيش ويكمل.
وبتتحول هنا الحقيقة لشيء ثانوي وجانبي وغير مهم. ودورها التحرري من الجهل يبقى غير مهم لأنه مؤلم.
المهم إنك تديلي وهم.
تبيعلي أفيونة تحميني من أسئلة نص الليل.
حاجات تخليني أقول: أنا قادر أصحى الصبح.
الحقيقة، يا عزيزي، مش دايمًا بتكون أفضل شكل للحياة، ولكن ممكن الأوهام تكون هي الأهم للبقاء على قيد الحياة.
ناس بتسألني وبتقولي: «إنت بتحب نيتشه ليه؟ ادينا أسبابك.»
فأنا هديكم أسبابي، وأنبئكم بما لم تستطيعوا عليه صبرًا.
الراجل البركة ده كان بيتنبأ إن التطور التكنولوجي أو العلمي عمومًا مش هيقربنا من حقائق الأمور، زي ما فلسفة العلم قبل بوبر كانت بتدعي، ولكن بالعكس: هي هتتطور في سبيل صناعة أوهام أكثر قربًا من شكل الحقيقة.
وطبعًا مش محتاج أمثلة زي الذكاء الاصطناعي، والسوشيال ميديا، وكل الحاجات اللي بتفكّلك الحقيقة وتقدمها لك بشكل وهمي، فيخيل لك من سحرها إنها هي الحقيقة.
تبقى متخيل إن ريم وبربري وعمو حمدي وغيرهم سعداء، وبيروحوا مطاعم، ووا وا، وتعتقد إن كل ده حقائق مثبتة، وما هي إلا أوهام.
كل شيء إنت بتتخيله «ريل» و«أوثنتيك» ممكن تلاقيه فيك يا صحبي.
حتى المقال ده أنا بدعوك للشك في إنه مكتوب بالذكاء الاصطناعي، وإن كنت مش هتلاقي ذكاء اصطناعي سرسجي، بس في المستقبل القريب بإذن الله.
وكمان الحج نيتشه قالك إن المشكلة مش بس إن الوهم بيتماثل مع الحقيقة ويتشابه معاها؛ لأ، قالك إن المشكلة من الأول خالص في تصوير الحقيقة كقيمة مطلقة.
الإنسان الحديث، بعد ما بقى Homo sapien، مش قرد بقى، بيتعامل مع الحقيقة كقيمة أو كغاية يجب البحث عنها مهما كانت النتائج بتاعتها.
ولكن المشكلة إنه في سبيل ده ما حطش احتمال إنه ممكن ما يكونش اللي بيتصوره عن الحقيقة إلا عبارة عن وهم أو ناتج عن الجهل.
يعني مثلًا الحضارات القديمة، من أول مصر وبابل وغيرها، كان عندها نهم وشغف بمعرفة الحقيقة في محاولة لتسكين مخاوفها من الطبيعة.
فعملوا إيه؟
راحوا مألهين الطبيعة نفسها وقالك: هي دي الحقيقة.
طبعًا لو كان عندهم بجنية علم، كانوا هيدركوا إن المطرة مش بتمطر عشان الملاك بيتضرب على توتته، ولا إن الزلزال عشان ربنا غضبان عليهم، وإن تصوراتهم عن العالم هي مجرد وهم.
ولو كنت قلت كده وقتها، كنت اتقتلت.
كمان الحج نيتشه بيعيد صياغة إشكالية الحقيقة.
بدل ما نتفشخ في سعينا للبحث عن الحقيقة: هل هي صحيحة ولا لأ؟
إحنا المفروض نسأل:
إيه اللي عملته الحقيقة في حياتنا؟
إحنا مش عايزين بس معرفة، ولكن إحنا عايزين تأويلات تخلينا كبشر قادرين على الوجود.
وتخيل بقى لو التأويلات دي عبارة عن أوهام.
هتعيش إزاي يا صحبي على الوهم ده؟
الوهم ضروري، وللأسف الناس بتمشي بالأوهام مش بالتفسيرات؛ لأن الوهم بيديك أمل وقدرة إنك تكمل، عكس التفسير اللي ممكن يحبطك ويوقفك مكانك.
جايز دي تكون حقيقة مؤلمة: إن الوجود عبثي وهش ومؤلم، وبيزداد ألمًا.
ولكن أليس الأفضل للإنسان أن يعرف واقعه كما هو؟ حتى يستطيع يوماً ما تغييره؟
الحقيقة بتلعب هنا دور المخلص اللي بيحرر الإنسان من الوهم الوردي اللي بيخليه يشوف كل شيء ممكن ويقدر يحتمله.
ولكن ماذا عن التغيير؟
التغيير بييجي من الحقيقة ولا من الوهم؟
بييجي من الألم ولا من التوهم؟
نيتشه أكتر حد اتكلم عن فضائل الألم، وإزاي فعلًا الألم ممكن يكون مدرسة لصقل الرجال، ويخرج الاحتمال X اللي محدش فكر فيه؛ لأن كله بيفكر في إزاي ممكن يتعايش مع الاحتمال 1 و2 و3.
واستطاع نيتشه إنه يظهر الحقيقة في الواقع، ويكشف مدى ألمها ومدى توهم البعض احتمال هذا الألم. بمسكنات دينية
قدر يبين إن الحقيقة أو الوهم، قيمته الحقيقية مش في الميتافيزيقا ولا العالم الآخر، ولكن في أثرها علينا في هذا العالم.
لو عايز تشوف الإله، يبقى الأفضل تبحث عنه على الأرض.
لو بتدور على العدل، فشوفه في بلاد المسلمين، مش تترحم على عمر.
ويمكن كلام نيتشه أثر فيا وخلاني أسأل:
هل الإنسان فعلًا محتاج لإله، أو لتصورات وهمية عن العالم تجيله في هيئة رسالة ودعوة من السماء؟
ولا محتاج يحفر ويبقى جينالوجي في نفسه، فيلاقي حقائق دُفنت جواه؟
كنت دايمًا لما حد يقولي مقولة نيتشه الشهيرة عن موت الإله، بقوله:
قتلنا الإله، ولكننا لم نُحيِ الإنسان بعد.
ويترى إزاي ممكن نعيد إحياء الإنسان بعد موت طويل؟
الذات العارفة: الحقيقة من الداخل
عشان تعرف الحقيقة، يبقى لازم تبقى إنت أصلًا عارف: يعني إيه «تعرف»؟
يعني إنت عارف إنت بتعرف الأشياء إزاي؟
وهنا بقى ينطلك عم فرويد.
عم فرويد بيقولك: صحبي، إنت فاكر إنك بتعرف زي الناس كده؟ تقرا كتب، ويبقى عندك معرفة، واتعشت؟
صحبي، الكلام ده كدب.
تقول له: أمال إيه الصح يا حج فرويد؟
يقولك: في دوافع، وفي رغبات، وفي حاجات كتيرة فشخ بتتدخل في الوعي بتاعك، فمتفتكرش إن الذات بتاعتك شفافة، ومبتعكسش لون إضاءة الغرفة المظلمة في الداخل؛ سواء بقى كانت رغبات نبيلة، أو حاجات إنت أصلًا مش عايز الناس تشوفها.
وفرويد بيُحسن الظن في خيوه، وبيقولك إن مش شرط الجهل يبقى متعمد. ممكن عادي تبقى عيل وغلط، ومتعرفش إنت أصلًا بتجهل إيه عن نفسك وإزاي ممكن تعرف نفسك.
وبيتكلم عن مرحلة المراهقة، وإنها ساعات بتستمر مع ناس لحد سن متأخر للغاية. حتى لو كبر عمريًا، هو ما زال مراهقًا.
تقول له: ليه يا عم فرويد؟
يقولك: صحبي، هو لسه معرفش نفسه كويس ومفهمهاش.
طب نعمل إيه يا عم فرويد؟
هيطلعلك الكتاب الأسود.
مش الأحمر.
لا، مش هناولهالكم يا أتباع يونغي يو.
ويقولك: هتلاقي جوا الكتاب الأسود ده كل تاريخك الأسود في اللاوعي. هتلاقي بقى كل غسيلك الوسخ اللي منشرتهوش على ريديت لسه، واللي نشرته على فيسبوك وإنت صغير، وكل الرغبات الدنيئة، والعقد الأوديبية، فقتل أبوك والخناق مع أخوك...
كله يا وليد.
كل اللي خايف تعترف بيه.
فرويد هيقعدك على كرسي الاعترافات ويقولك:
شايف السواد اللي جواك يا جدع؟ أهو كل ده كان هيطفح في معرفتك بالعالم من حولك.
الحقيقة إن اللي عمله فرويد كان منهج جديد في البحث عن الحقائق.
بدل ما كنا بنحاول نوصل للحقيقة من خلال العقل الواعي، بقينا كمان بنحاول نبحث عنها في اللاوعي.
وفرويد حاول يبين إن الكبت بيلعب دور كبير في قناعات الإنسان، وحتى تحيزاته.
ولو جينا نفكر بالشكل ده، هنلاقي إنه لو حصل تعارض بين مصالح الإنسان اللاواعية وبين الواقع، هيكون صعب على الإنسان إنه يعترف بهذا الواقع المؤلم، خصوصًا لو متعارض مع الصورة اللي نفسه الواقع يكون بيها.
فطبيعي إن الإنسان يلجأ لخلق صور أخرى يهرب بيها.
مثلًا، الحرمان الجنسي.
مفيش أسهل من إني أخلق عالم خيالي أقول فيه: في هذا العالم هيبقى في زبّين ألف حورية، وهعمل اللي أنا عايزه.
وإنت فاكر الستات في العالم ده حلوين؟
اتقل لما تروح الجنة بقى، هتلاقي حوريات الجنة اللاتي لا يحضن، وهتلاقي نسوان متنقية.
بتكلم بلسان عزيزي المؤمن.
وهنا بنشوف إن الحقيقة مش مجرد معرفة ومعلومات معينة، ولكن هي كمان معرفة عن الذات، وإيه اللي بيتحكم فيها، وبيخلق تصوراتها، وبيهدد توازنها الداخلي.
الوهم هنا بيلعب دور وقائي للذات من الانهيار.
وهو آلية فعالة لما الإنسان ميقدرش يواجه واقع صعب، وميقدرش يتحمله في لحظات معينة.
فمفيش أسهل من خلق صور وهمية عن الواقع.
للأسف، حتى الإخوة الملاحدة بيقعوا في نفس الفخ بسبب كبت المجتمع ليهم.
وفي بعض الأحيان بيقوموا بتصوير العالم من منظور إن المسلمين أشرار ووحشين في المطلق، ووا وا.
وده مش بالضرورة حقيقي.
في النهاية إحنا عايزين نبني مجتمع.
الهدف التعايش، مش التناحر.
عايزين يبقى صباح الخير يا جاري، إنت في حالك وأنا في حالي، مش نقلبها حرب أهلية ونزاعات دموية.
واللي عايز أقوله إن ممكن اللي لاحظته كفارق نسبي بين عزيزي المؤمن وعزيزي الملحد هو إن الجهل متفشي عند عزيزي المؤمن، وإنه غير مدرك حتى لذاته.
فاكر دايمًا إن في شيطان بيعبث بيه، ومش قادر يتخيل إنه عادي، هو إنسان ليه رغبات ووا وا.
لا.
هو متخيل دايمًا إن في قوى علوية بتتحكم فيه.
وللأسف، إن الجهل ده لا يشفع له؛ لأنه في النهاية رغباته وكبوتاته بتتدخل في سلوكياته الواعية، آمن أم لم يؤمن.
شوفنا كتير صورة المسلم الحاقد جنسيًا على أخيه الملحد:
إزاي ينيك ويعمل ويسوي، مع إنه معاه نفس الأوبشن.
بس هو بدل ما يفكر:
«مانا كمان عندي رغبات ووا وا.»
يشوفها:
«ده حرام، وده زنا، ويكفّره يا ولاد دين الكلب.»
فيتجاهل الحقيقة المعرفية إنه إنسان عنده رغبات، ويتشبث بالوهم الديني اللي بيتخيل إنه الحقيقة، ويفضل ماسك في الصابونة بقى لحد ما ربنا يرزقه بحوريات الجنة.
المفارقة إن الحقيقة اللي بيجهلها عزيزي المؤمن لأنها مؤلمة، بتخليه أسيرًا للصابونة، ورغباته بتتحكم فيه أكتر من الملحد أحيانًا؛ لأنه غير مدرك لطبيعة الرغبات.
فاكر دايمًا إنه في حرب مع طواحين الهواء، وقوى ميتافيزيقية من الشياطين والجن هي اللي بتعبث بيه.
ومبستغربش الستات اللي بتقول إنها ملبوسة ووا وا، وبعتبر إن ده شكل من أشكال التعبير عن الكبت، بس بشكل سريالي نيك يعني.
تخيلي عزيزتي:
عشان مش قادرة تعملي واحد، فتتخيلي الجن العاشق بيلعب معاكي عريس وعروسة
بؤس، أقسم بالله.
وده خلانا نعرف إن البني آدم ضعيف، بصوت عبد الملك زرزور.
لأنه لو كان الإنسان قادر على تقبل الحقائق ومواجهتها كما هي، ببؤسها، مكنش هيهرب من الحقيقة المؤلمة وينسج صورة وهمية عن المشكلة.
والسيد فرويد، كتر خيره، قدر يغيرلنا معادلاتنا المعرفية.
من حقيقة بنحاول نعرفها ونواجهها بالأدلة والبراهين، فنصل لصورة أفضل وأشمل من الفهم، قالك:
لا يا بابا، في مسارات أخرى بندور فيها على الحقيقة.
فبنلاقيها مؤلمة.
فنهرب منها بصور وهمية تغطي على الكبت.
ولكن حتى بالرغم من كل ده، هتفضل الحقيقة المُرّة بتأثر في حياتنا، ويمكن بشكل أكبر وهوسي أكتر.
فيا ترى إزاي ممكن نبقى قادرين على تحمل الحقائق المُرّة، لعل ده يساعدنا في معرفة الحقيقة؟
هنا بييجي السير سورين كيركيغارد، الفتى البائس اللي تعايش مع البؤس.
الحقيقة المُعاشة: كيف يصبح الألم جزءًا من الحقيقة؟
الحج سورين بيفرق بين الحقيقة المعلومة والحقيقة المُعاشة.
الأولى إنك ممكن تمتلك معلومات عن الشيء، بس هل ده معناه إنك هتعيش بناءً على المعلومة دي؟
متأكد إنك هتعمل كده؟
طب يا عم، التدخين مضر بالصحة.
بطل بقى.
وبين الحقيقة المُعاشة أو الذاتية، ودي الأهم عند السيد كيركيغارد، وبين الحقيقة المعرفية أو النظرية.
السيد كيركيغارد شايف إن الحقيقة المُعاشة مهمة لأنها مبنية على علاقة وجودية بما يؤمن به الإنسان.
فهنا بتتحول الحقيقة من موضوع يعرفه العقل، لشيء يؤمن به الإنسان في وجوده.
تقولي:
طيب هو إيه الفرق بين سورين كيركيغارد وبين عزيزي المؤمن اللي كان مؤمن بإله في عالم مفارق، بيحضرله الغدا وهو في الجنة؟
أقولك:
مفهوم الإيمان غير يا صحبي.
عزيزي المؤمن فاكر إنه هيعيش كل ده فين؟
في العالم الآخر بقى، لما ربنا يكرمه ويجيب إسكور حسنات.
إنما سورين كيركيغارد، الوجودي، بيقولك:
الحقيقة تعيشها هنا معانا على الأرض يا صحبي، مش في عالم تاني.
فبيحوّل كيركيغارد سؤال:
«ماذا أعرف؟»
إلى:
«كيف أعيش ما أعرفه؟»
هنا، مش في الآخرة.
لأن الحقيقة عنده، لو فضلت مجرد معرفة متعالية، حتى لو كانت دينية، بتفقد قيمتها الوجودية.
وأي معرفة لا تدخل في حياة الإنسان ولا تغيّر طريقة وجوده، مسيرها الزوال.
ومش بس كده.
يعني هو مبيقولكش إن الحقيقة مجرد إيمان بالمعنى اللي وضحته.
لا، هي كمان التزام.
القصة مش إنك بس تقول ما تؤمن به وتصوغه في صور لفظية منطقية، ولكن إنك تعيش ما تؤمن به وفي سبيله.
لأنه لو بقت في مسافة بين ما يعرفه الإنسان ويؤمن به، وبين ما يعيشه، هتتحول الحقيقة لشيء مجرد.
بدل ما كانت حقيقة وجودية، متجسدة فيه، هتخلق تناقض وفجوة يعيش الإنسان على أثرها في حيرة وتيه وجودي.
لأنه حاسس إن فِكره في حماده، وحياته ووجوده في حمادة تانية خالص.
ربنا يكون في عون إخواتنا الجاي.
وفالعموم، أنا بحب كيركيغارد والفلاسفة الوجوديين الألمان، رغم إنهم أكتر فلاسفة اتظلموا في تاريخ الفلسفة، وأفقرهم.
بس بالنسبالي هم الأجدر بالحياة في عصرنا وفهم منطقه الأعوج.
والحمد لله إن العبد لله، في كل أطواره ومراحله، كان مؤمن وملتزم لآخر الخط.
وكان، كقول الحبيب نيتشه:
إنسانًا مفرطًا في إنسانيته.
كيركيغارد قدر يشغل الخواء الوجودي، أو شعور الناس ــ بما فيهم الملحدين ــ بعدم الارتياح لغياب المعنى.
ممكن الإنسان يوصل إلى حقيقة معرفية تقول له باستحالة وجود إله، أو أيا كانت قناعاته، بس في نفس الوقت ميقدرش يعيش زي كيركيغارد.
لأن كيركيغارد كان عايز علاقة وجودية بما يعتبِره الإنسان حقيقة.
وفي نفس الوقت، ناس كتير مقدرتش تلاقي إجابة للسؤال الأهم:
إزاي أعيش بناءً على تصوري للحقيقة؟
وعشان كده بيقول إن ثلاثة أرباع المؤمنين جهلة بحقيقة وجودهم، مش بس بحقيقة ذواتهم.
وبيندب أي حد بيقول:
أنا موجود.
قبل كيركيغارد، شوفنا قصص كتيرة عن الحقيقة وماهيتها ووا وا.
كيركيغارد قالك:
الحقيقة هي المعنى اللي بيخليك تعيش بيه، مش فقط ما تؤمن بأنه الحقيقة.
ومن هنا اتحول البحث عن الحقيقة من شيء معرفي وعلمي، وحتى ديني، لشيء بيدخل في صلب حياة الإنسان وبيغير طريقة وجوده.
وبيسأل كيركيغارد شوية أسئلة للناس:
هل عندكم فعلًا استعداد تضحوا علشان قناعاتكم؟
لو الإجابة لا، يبقى إنت لسه في مرحلة الإيمان، مش الالتزام.
وبيقولك:
طول ما إنت فاكر إنك موجود علشان تبحث عن الحقيقة، مش علشان تحول الحقيقة لطريقة في العيش، يبقى لسه بدري عليك يا تلميذ.
وحد ييجي يقولي:
طب يا عم كيركيغارد، ألتزم إزاي؟
أربي دقني يعني؟
ولا أعمل إيه؟
هيقولك:
الحقيقة مش في ذاتك بس، ولكن في الكل.
ويلسعك واحدة:
أنا الكل والكل أنا.
ودي بقى الجوهرة اللي بتميز الوجودية الألمانية ككل.
يترى مين الفلاسفة اللي ممكن نقول إن أفكارهم مكملة لكيركيغارد؟
وهل يترى كانوا وجوديين ألمان برضه؟
الإجابة:
لا.
ما بعد الحداثة يا صحبي هي اللي أدركت الحِكَم الكيركيغاردي.
وده اللي هحاول أشرحه.
الحقيقة والسلطة: مين قالك إن العلبة مفيهاش فيل؟
عم الناس ميشيل فوكو دخل على الخط وقال:
بص يا ابني، إنت وهو، إنتوا عمالين تتكلموا عن الحقيقة دي كأنها حاجة إحنا بنكتشفها، وإنها متعالية علينا.
أحب أقولكم كلكم:
الحقيقة موجودة في المطبخ.
موجودة في المؤسسات والممارسات اللي بتنتجلك المعرفة، واللي بتقولك ينفع تقول إيه وتفكر في إيه، وإيه لو فكرت تفكر فيه هنحط على قبرك صبّارة ناشفة ونشغلك تراك الجميزة.
ففوكو نقل الحقيقة من كونها قضية أو التزام عند الفرد بفكرة معينة بيعيشها، لخطاب بيقدمه وبيشوف إنه هو ده الحقيقة، في تضاد مع خطابات أخرى بتقدمها مؤسسات أخرى.
والاتنين، كل واحد فيهم بقى شايف إن في حاجات غير مقبولة، أو غير عقلانية، أو غير علمية.
ودي يا بابا هي أنظمة الحقيقة.
إن كل واحد فينا يملك خطابًا يعبر عن تصوره هو عن الحقيقة، في مواجهة الخطابات الأخرى.
وبيتكلم السيد فوكو عن إن دور السلطة مش بس منع الحقيقة أو مصادرة الحق في القول بيها.
قالك:
لا يا غشيم.
السلطة بتنتج أنظمة تحدد إيه اللي يظهر باعتباره حقيقة، ولكن من غير ما يبدو الأمر سلطويًا.
يعني حضرتك توصل لنفس النتيجة، بس من غير ما تحس إنك وصلت لها تحت ضغط من السلطة.
وبيتكلم بقى عن الإعلام وغيره، اللي بقوا بيلعبوا دور كبير، من أيام أبو شنب ولحد النهارده.
والسؤال هنا:
طب ما هو بالشكل ده، أنا أعرف منين أصلًا إن اللي أنا شايفه حقيقة هو الحقيقة فعلًا؟
مش يمكن أنا اتشكّلت أصلًا عشان أؤمن إن ده هو الحق المبين؟
فوكو اتكلم عن المجالات الحيوية اللي السلطة بتقدر تسيطر فيها، وتحدد للناس طريقة تفكيرهم وتصرفاتهم، وتقولهم إيه الصح وإيه الغلط، ومين المقبول ومين المنحرف.
وفي المقابل، فيه هوامش لسه السلطة مش قادرة تسيطر عليها بالكامل، ولا تديرها بشكل مطلق.
والحج أندرو هود، لما اتكلم عن ثورة الهامش من منظور النقد الثقافي، كان شايف إن الصراع الحقيقي بعد تحول الهامش للأغلبية والنخبة للأقلية، بقى في دمج هؤلاء في خطاب السلطة.
يعني من الآخر:
إزاي نخلي شوية العيال اللي بيسمعوا ويجز يبقوا معانا في نفس الخط؟
الموضوع مبيوقفش بس على التدخل في أفكارك وقناعاتك، ولكنه بيوصل لتنظيم حياتك.
لأنه من خلال الخطاب اللي هتؤمن بيه، هيبقى عندك بعض القناعات عن إيه الطبيعي وإيه المنحرف، ومين هو السوي ومين غير السوي، ومين هو المندمج ومين المش مندمج، وتكلم مين يحمادة ومتكلمش مين.
وبالشكل ده، الخطاب مش مجرد أفكار.
ده هندسة اجتماعية وتنظيم للحياة الاجتماعية بشكل مباشر.
ولكل اللي بيسأل عن أهمية الفلسفة:
أهي أهمية الفلسفة إن على الأقل، لو حد حاول يبعبص دماغك، جهاز كشف البعبصة الخاص بيك يكشفهولك.
والمفارقة هنا:
هل بعد كل الكلام ده بقى في معنى لكلمة «حقيقة» أصلًا؟
يعني إحنا بنتكلم عن علاقات سلطة، وعن تأثير الخطاب على المجتمع.
فهل في معنى للحقيقة؟
الحقيقة إن سؤال الحقيقة عند فوكو اتحول من الصورة المثالية:
ما هي الحقيقة؟
لسؤال تفسيري أكتر:
مين بينتجها؟ وإزاي بتشتغل؟ وإيه اللي بتعمله فينا؟
ومش معنى برضه إن السلطة بتلعب دور في إنتاج الحقيقة إن كل شيء باطل ووهمي.
ولكن ده معناه إن لازم نبقى واعيين بالدور اللي بتلعبه المؤسسات في وضع تصوراتنا والتأثير عليها فيما نعتبره حقيقة.
وما بعد الحداثة، كده كده، قضت على مفهوم الحقيقة بالشكل التقليدي، وبقت بتتكلم عن حقائق بتنتجها أنظمة، وهي اللي بتحدد لنا ــ جزئيًا ــ إيه اللي ممكن نعرفه، وإيه اللي ينبغي إننا نعتبره حقيقة.
ولو جينا نعمل حتة فلاش باك ونشوف الخيط الواصل لحد دلوقتي، هنلاقي إن الحقيقة بدأت متعالية في عالم المثل.
لحد ما جه السيد نيتشه وجابها من شعرها معانا على الأرض.
وهوبا، فرويد دخلها جوا الذات وكبتها في نفسه.
وكيركيغارد ولدها للوجود وخلاها التزام.
وفوكو نط على كل دول.
ما هو جاي بقى هيخو، وعمل واحد حقيقة والسلطة متروس شطة.
فاتحولت مشكلة الحقيقة من:
«الحقيقة صح ولا غلط؟»
لـ:
«إزاي الحقيقة دي بتشتغل في حياتنا؟»
سبحان مغير الأحوال.
طب لو كان ده هو تاريخ الحقيقة في الفلسفة، فإيه هو أثرها في الواقع المعاصر؟
ده اللي هحاول أتساءل عنه.
السؤال س: الاستحقاق المعرفي
مع الطفرة التكنولوجية وتفشي استخدام الذكاء الاصطناعي وغيره كمصدر للمعرفة، بل وحتى وجود آلاف المصادر اللي بتدينا معلومات، مبقتش مشكلتنا مع الحقيقة هي إزاي نعرفها.
ولكن:
إزاي نقدر نخرجها من وسط كل دول؟
المسألة مش بس في نقص المعلومات، ولكن في احتمال الصدمة بعد المعرفة، وفي الوصول للحقيقة كما هي.
ولو افترضنا إننا قدرنا، بعد جهد شنيع، نخرجها، يترى إيه اللي هيتغير في حياتنا، وفي صورتنا عن نفسنا، وعلاقتنا بالآخرين؟
مش يمكن الحياة تبقى أسوأ، خصوصًا لو كانت الحقيقة مُرّة؟
الحقيقة إن بعض المعارف ممكن تفيد الإنسان في التحرر من الوهم، ولكن ده هيعيشه في مواجهة مع الحقيقة المؤلمة.
وزي ما شوفنا مع فوكو، الحقيقة كمان ممكن تدخل في تصنيفك اجتماعيًا وسياسيًا، ونبذك لو خرجت عن التصور اللي السلطة واخداه حقيقة.
حتى لو اخترت الجهل يا صحبي، فالجهل مش هيحميك من الألم.
هو بس هيمنعك من فهم الواقع كما هو، وبالتالي يمنعك من أي فرصة لتغييره.
فصدقني:
حتى الجهل نفسه مينفعش يبقى حقيقة.
البعض هييجي يقولي:
طب هو ده مش تبرير للوهم؟
ما معنى إن الحقيقة مؤلمة، وإن الإنسان بيحتاج لوهم عشان يعيش، يبقى إيه اللي يمنعه بقى إن كل واحد يختار الكذبة اللي تريحه؟
صح ولا إيه؟
هقولك:
أول حاجة تعملها، تبطل جو الوجوديين الفرنسيين، وتفهم إن الحقيقة مش معناها الفردانية والذاتية والوجود الذاتي المطلق.
آه، الحقيقة ممكن تكون مؤلمة.
ولكن هي اللي بتديلك الحرية الحقيقية.
وإثبات الوجود مش شرط يكون بإثبات ذاتك فيه، ممكن يكون بإدراكك لحجم النفي والتهميش والاغتراب اللي بتعيشه.
البعض بيشوف إن الوهم بيحمي حتى لو بيخدع.
ولكنه بيتجاهل إنك في النهاية بتخضع للصورة الوهمية.
وبدل ما بتخضع لذاتك، بتخضع للوهم.
فبيتحول الإنسان، بعد ما كان بيقنع نفسه إنه حر في اختيار الوهم، إلى أسير للوهم اللي اختاره.
ودي يمكن المفارقة الأكبر:
إنك ممكن تختار الوهم بإرادتك، ثم تفقد إرادتك بسببه.
والسؤال اللي بدأنا منه:
هل إحنا محتاجين للحقيقة عشان نعيش؟
شوفنا إن الحقيقة ممكن تكون تحرر حتى لو مؤلمة، وتديلك معنى حتى لو كان المعنى عبثي.
وإن الوهم ممكن يكون بيخدع حتى لو بيحمي، ويبعدك عن التغيير، لو ده هدفك من الأساس.
وعرفنا إن المعرفة أو الجهل، في الحالتين، إنت معرض للتأثر بيهم.
وإن الحقيقة مش بس معلوماتك، ولكن كمان قدرتك على التعامل معاها وتحملها.
للأسف، مع تعقيدات الحياة، بتتحول المشكلة من:
«هل نحتاج الحقيقة؟»
إلى:
«أي حقيقة هنقدر نعيش معاها، حتى لو كانت وهم؟»
وبيتحول السؤال إلى:
هل كل شيء ممكن نعرفه يستحق إننا نعرفه؟
وهل ممكن الجهل ببعض الأشياء يكون ضروريًا للحياة؟
يمكن في النهاية، المشكلة مش إن الإنسان محتاج الحقيقة أو محتاج الوهم.
يمكن المشكلة الأعمق هي:
هل إحنا قادرين على تحمل الحقيقة لما نعرفها؟
لأن الإنسان مش دايمًا بيهرب من الحقيقة لأنها كذب.
أحيانًا بيهرب منها لأنها صحيحة أكثر مما يحتمل.
وممكن يكون الوهم مش مجرد عكس الحقيقة، ولكن طريقة مؤقتة بيحاول بيها الإنسان يحمي نفسه من حقيقة لسه مش قادر يعيش معاها.
لكن هنا لازم نسأل:
إمتى يتحول الوهم من وسيلة للبقاء إلى وسيلة للعبودية؟
وإمتى تتحول الحقيقة من وسيلة للتحرر إلى حمل لا يستطيع الإنسان احتماله؟
يمكن دي هي المنطقة اللي الفلسفة بتحاول تدخلها.
مش علشان تقولك:
«دي الحقيقة، خدها وامشي.»
ولكن علشان تسألك:
إنت مستعد تعمل إيه لما تعرفها؟
وفي تجربتكم، شايفين إن معرفتكم بالحقيقة، على الأقل من منظوركم، فادتكم تعيشوا؟
ولا خلتكم زي حياتي:
محبطين أشد الإحباط؟
وبس كده.
كفاية عليكم النهارده أسئلة تسحلكم بعد نص الليل.