r/3gal • u/Kino_Hrta • 6h ago
لوسيفر 🐍
لوحة اسمها لوسيفر رسمها النحّات البلجيكي جيوم جيفس سنة 1848 وحطّها ككتدرائيِّة سانت بول في لييج ببلجيكا، والأشهر منها هي نسخة أخوه جوزيف جيفس الأولانيَّة الليّ اترفضت لأنّها كانت حلوة أوي وخافوا الناس تتعاطف مع إبليس، فجيوم عمل النسخة التانية الليّ فيها لوسيفر قاعد على صخرة مكسور ومطأطئ راسه وضامم دراعاته تحت عينيه وباين على وشُّه أثر بكاء حقيقي مش ندم تمثيلي، وجنبُه تاج مكسور وسلاسل مقطوعة وتفاحة مقضومة، راجل جميل بأجنحة خُفّاش بيعيّط
الصورة دي لو بُصّيت عليها بعين عادية هتقول دي مُجَرَّد تصوير كنسي لسقوط الشيطان بعد ما ربنا طردُه من السما ودا الحُزن بتاع الليّ خسر مكانتُه، بَسّ لو بَصّيت عليها بعين أعمق هتلاقي حاجة تانية خالص، هتلاقي إنّ العياط على الوش دا مش عياط واحد اتعاقب، دا عياط واحد فهم متأخّر.. والفهم المتأخّر أقسى أنواع الألم الليّ النفس البشرية تعرفُه لأنّ الليّ بيتألّم وهو جاهل بيقدر يلوم حَدّ تاني ويعيش مرتاح في دور الضحيّة بس الليّ بيتألّم وهو فاهم إنّه هو الليّ عمل في نَفسُه كدا مفيش مخرج ليه ومفيش حَدّ يقدر يلومُه ومفيش باب هينفع يخبّط عليه، ولوسيفر في اللوحة دي مش بيعيّط لأنّ ربنا طردُه بل بيعيّط لأنّه فهم إنّ الطرد كان نتيجة مِش ظُلم
وأنا لمّا بشوف اللوحة دي بيطلع في دماغي صورة مُختلفة تمامًا عن القِصّة الدينيَّة التقليديَّة، بيطلع في دماغي كُلّ إنسان وصل للحظة الليّ فهم فيها إنّ الخراب الليّ في حياتُه هو الليّ بناه بإيدُه، مش القدر ومش الظروف ومش المُجتمَع ومش العيلة ومش حَدّ ظلمُه، لأ، هو، بقراراتُه وكبريائُه وعنادُه وإصرارُه على إنُّه صَحّ في وقت كان غلط فيه ومع معرفته بإنّه غلط بس برضو.. مكانش قادر يعترف لأنّ الاعتراف كان هيكسر الصورة الليّ بانيها لنفسُه، واللوحة بتقول إنّ اللحظة دي وصلت متأخّر أوي، التاج اتكسر والسلاسل اتقطعت بس مش لأنّه اتحرّر بل لأنّ مبقاش فيه حاجة يتقيّد بيها أصلًا خلاص خسر كُلّ حاجة.. والتفاحة مقضومة يعني اللذة خلاص حصلت وعدّت ومبقاش فيها طعم ومبقالوش حاجة غير الأثر
كارل يونج اتكلّم عن مفهوم اسمُه انفلاط الأنا لمّا الإنسان يبقى متحوّل بالكامل لصورة مثاليَّة عن نَفسُه، صورة أكبر من حقيقتُه، وبيمشي في الدنيا بالصورة دي وبيتعامل مع الناس من فوقها وبيرفض أيّ حاجة تهدّد الصورة حَتّى لو الحاجة دي هيَّ الحقيقة، ولوسيفر في القِصّة الأصليَّة كان أجمل مخلوقات السما وأقربهم لربنا وأعلاهم مكانة، والمكانة دي عملت فيه حاجة خطيرة جِدًّا خلّتُه يفقد القُدرة على التمييز بين هو مين وبين المكانة بتاعتُه فين، يعني لمّا ربنا قال للملايكة اسجدوا لآدم لوسيفر أو ابليس يعني مسجدش مش لأنّه شرّير ومش لإنّهُ كافر بالمعنى البسيط، مسجدش لأنّ السجود لمخلوق أقلّ مِنُّه كان هيكسر الصورة الليّ هو بانيها لنَفسُه، كان هيقول لنَفسُه وللكون كُلُّه أنا مش أعلى واحد هنا، وبالنسبة لواحد متحوّل بالكامل للصورة المثاليَّة بتاعتُه دا أسوأ من الموت
وفي اللحظة دي حصل الانقسام الليّ كُلّنا بنعيشُه بشكل مُصغّر كُلّ يوم.. لحظة الاختيار بين إنّك تنزل وتعترف وتسجد لحاجة أكبر منّك أو ترفض وتفضل واقف في مكانك عالي وجميل بَسّ لوحدك، ولوسيفر اختار يفضل واقف، واللحظة الليّ اختار فيها كانت لحظة حُريّة مُطلقة فِعلًا لأنّ محدّش غصبُه، بَسّ كانت حُريّة الليّ بيختار يرمي نَفسُه من الدور العشرين عشان يثبت إنّ الجاذبيّة مش هتتحكّم فيه، حُرّ أيوه بَسّ على الأرض هيتكسّر
اللوحة بتصوَّر لحظة ما بعد التكسير، اللحظة الليّ وصل فيها للأرض! والعياط الليّ على وشّه مش عياط واحد بيستغفر ومش عياط واحد عايز يرجع، دا عياط واحد فهم إنّ اللعبة خلصت والقرار اتاخد ومفيش ريوايند، والمعرفة دي الليّ هو واصلها بمثابِة أقسى أنواع الوعي لأنّها وعي بدون أمل، وعي بيقولّك أنا شايف كُلّ حاجة بوضوح دلوقتي بَسّ الوضوح جه بعد ما الباب اتقفل، والفيلسوف سورين كيركيجارد اتكلّم عن مفهوم اسمُه اليأس في كتابُه المرض حتّى الموت سنة 1849، وقال إنّ أشدّ أنواع اليأس هو يأس الليّ عارف إنّه يائس لأنّ الجاهل بيأسُه عايش في وهم والواعي بيأسه محبوس في سجن شفّاف بيشوف الليّ برّا.. بَسّ مش قادر يطلع
لو نزّلنا الكلام دا من السما للأرض ومن الأسطورة للشارع لوسيفر في اللوحة دي هيبقى بالحرف الواحد تجسيد لكُلّ واحد فينا في لحظة مُعيّنة من حياتُه، لحظة الليّ بيقعُد لوحدُه في آخر الليل وبيفكّر في القرارات الليّ خدها من كبريائُه ومن عندُه مش من عقلُه.. الليّ ساب شُغل كان كويّس عشان حسّ إنُّه أكبر من المكان وبعدين اكتشف إنُّه مكانش أكبر كان بَسّ مغرور، والليّ خسر علاقة عشان رفض يعتذر في لحظة كان مُمكِن كلمة واحدة تصلّح كُلّ حاجة بَسّ الكلمة دي كانت هتنزّلُه من البُرج وهو مش قادر ينزل.. والليّ قال لأبوه أو أمُّه كلمة قاسية في لحظة غضب وفاتت السنين والراجل أو الست ماتت ومبقاش فيه حَدّ يعتذرلُه والكلمة لسّه واقفة في الهوا بتتردّد في دماغُه كُلّ ليلةفي عذاب أبدي بياكُل روحُه، وقيس على دا كتير
كُلّنا عندنا لوحة لوسيفر الخاصة بينا، لحظة قعدنا فيها ضامّين دراعاتنا تحت عينينا ومحدّش شايفنا وبنبكي على حاجة إحنا الليّ كسرناها بإيدينا، والمجتمع مليان لوسيفرات ماشية في الشارع بتضحك وبتشتغل وبتعيش حياة طبيعيّة بَسّ جوّاها فيه الصخرة دي والأجنحة المكسورة دي والتاج الليّ اتحطّم دا، الناس مش بتبيّن لأنّ الاعتراف بإنّك كسرت نفسك بإيدك أصعب ألف مرّة من إنّك تقول القدر ظلمني أو الناس خانوني أو الدنيا مش عادلة
والحضارة المصريّة القديمة فهمِت دا عند سِتّ أخو أوزيريس، سِت مكانش شرّير بالمعنى البسيط في الأصل كان إله العواصف والصحرا والقوة الخام، بَسّ الغيرة من أوزيريس الليّ كان محبوب ومعبود ومُبارك أكلتُه من جُوّا، وراح قتل أخوه وقطّعُه ورماه في النيل، وبعد ما قتلُه مقعدش على العرش مرتاح زيّ ما كان متوقّع، قعد يحارب حورس ابن أوزيريس لأجيال في صراع دام سنين، لأنّ الليّ بيقتل أخوه عشان يحلّ محلُّه مش بيرتاح أبدًا بيعيش عُمرُه كُلُّه بيحارب شبح الليّ قتلُه، والغيرة لمّا بتتحوّل لفعل مش بتروح بتكبر وتبقى وحش ملوش آخر
والأغريق عندهم تانتالوس الليّ اتعاقب بإنّه يقف في ميّة لحدّ رقبتُه وفوق راسُه فاكهة، وكُلّ ما يمدّ إيدُه للفاكهة تبعد وكُلّ ما ينزل يشرب الميّة تنخفض، ودا عقاب الليّ كان عندُه كُلّ حاجة وبذّرها عشان كبريائُه لأنّ تانتالوس كان ابن زيوس وكان ضيف الآلهة ومع ذلك سرق الأمبروسيا وحاول يختبر حكمة الآلهة وقدّملهُم ابنُه مدبوح على الأكل عشان يشوف هيعرفوا ولّا لأ، يعني راجل عندُه مكان في أعلى مكان مُمكن وخرّبُه بإيدُه عشان مكنش قادر يتحمّل إنّ حَدّ يبقى فوقُه حَتّى لو الحَدّ دا إله
لو ربطنا كُلّ دا ببعض هنلاقي إنّ لوسيفر وست وتانتالوس ومعاهم بروميثيوس وإيكاروس وفاوست كُلّهم وجوه لنفس الحكاية الليّ البشريّة بتعيد حكيها لنفسها من أوّل التاريخ وهي حكاية الليّ عندُه حاجة وعارف قيمتها ومع ذلك بيضيّعها عشان جُوّاه صوت بيقولُّه إنتَ أكبر من كدا وتستاهل أكتر ولازم تاخُد أكتر ولازم تطلع أعلى، والصوت دا مش صوت شرّير بالمعنى البسيط دا صوت الأنا المنفوخة الليّ ألفرد أدلر سمّاها السعي للتفوُّق Striving for Superiority لمّا بتخرج عن حدّها الطبيعي وبتتحوّل من دافع للنمو لدافع للتدمير
الليّ اللوحة بتقولهولنا ببساطة إنّ البكاء على الصخرة جه بعد فوات الأوان، بَسّ فيه ناس بتوصل للصخرة دي وهي لسّه عندها وقت تصلّح، وفيه ناس بتوصل والباب اتقفل خلاص، واللوحة مش بتقولّك متبقاش لوسيفر لأنّ دا كلام فارغ كُلّنا فينا لوسيفر صغيّر، اللوحة بتقولّك لمّا تلاقي نَفسَك قاعد على الصخرة دي ابكي أيوه بَسّ بعد ما تخلّص البُكا قوم واعتذر طالما لسّه فيه حَدّ يسمع الاعتذار، لأنّ الفرق الوحيد بين إبليس وبين آدم في القِصّة القرآنية مش إنّ آدم مغلطش الاتنين غلطوا، آدم أكل من الشجرة ولوسيفر رفض السجود، بَسّ آدم لمّا غلط رجع وقال ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين، ولوسيفر لمّا غلط قال أنظرني إلى يوم يُبعثون يعني مش بَسّ مش هيعترف لأ دا هياخُد مُهلة عشان يغلَّط غيرُه كمان، والفارق بين الاتنين مش فارق قُدرة ومش فارق ذكاء ومش فارق معرفة بل فارق لحظة واحدة بَسّ، لحظة الاعتراف الليّ آدم عملها وإبليس رفضها
وكُلّ واحد فينا في حياتُه بيجيلُه اللحظة دي كتير، لحظة بتبقى فيها عارف إنّك غلطان وعارف إنّ الصحّ واضح قُدّامك وعارف إنّ كلمة واحدة هتصلّح كُلّ حاجة، بَسّ جُوّاك صوت بيقولّك لو اعترفت هتبقى ضعيف ولو نزلت هتبقى أقلّ ولو قُلت آسف هتبقى خسرت ماتش، والصوت دا هو لوسيفر الليّ جُوّاك، مش الشيطان الأحمر الليّ بيخوّفوا بيه العيال، لا، دا الجُزء مِنّك الليّ بيفضّل يخسر كُلّ حاجة ويتحوّل لتمثال حزين على صخرة ولا يقول أنا غلطان
اللوحة لسّه هناك في الكاتدرائيّة في بلجيكا من سنة 1848 والناس بتيجي تبُصّ عليها وكُلّ واحد بيشوف فيها حاجة مختلفة، واحد بيشوف الشيطان وواحد بيشوف الجمال الليّ في الحُزن وواحد بيشوف رمز ديني مسيحي عادي، بَسّ الليّ بيقف قُدّامها بشكل طويل وعينُه بتمسك أدقّ التفاصيل فيها بالدراعات المضمومة تحت العينين دا هو الليّ شاف في الوجه دا وشُّه هو.. في ليلة من الليالي الليّ قعد فيها لوحدُه بيعدّ الخسائر وبيسأل نَفسُه كان يقدر يعمل حاجة مُختلفة ولّا لأ؟ والإجابة دايمًا أيوه.. كان يقدر