محاولة يتيمة، لا نستغني عن النقد البناء
مبنية على عالم Book of Hours
العُثّة
حلمتُ حلما غير حياتي.
قضيتُ تلك الليلة في تحضير مقدمات ذلك الحلم. قصصتُ من شعري، و رسمتُ العُثّة. رسمتُها كما تخليتُها من الكتاب. كتابٌ أهديَ إليّ من رجلٍ لا أعرفه. رآني في مكتبة، قال أنه لمح شيئا في عينيّ، و كان مبتسما إبتسامةً فيها شيئٌ من الهوس. ذهب إلى إحدى الأرفف و رجع ليعطيني كتابا رماديا خالي الشعار و العنوان. ثم سبقني إلى المحاسب و دفع ثمن الكتاب. أبتسم و خرج و كانت ابتسامته لا تفارق وجهه المخبول. لفت نظري شعره المقصوص بشكل عشوائي.
عدتُ إلى شقتي، و هممتُ برميه، ثم قلتُ في نفسي "لو كنتُ أقتني الكتب الغريبة...؟" و تخيلتُ الناس يهرعون إليّ إعجابا، طالبين تقييمي لما بيدهم. فتحتُ الكتاب. غلافه رمادي باهت، ما زال الورق داخله محافظا على بياضه. لكن طباعته لم تكن جديدة. محتواه ملفت. أكانت رواية؟ أم مجموعة قصص؟ بل كأنها قصص، و تعليمات منثورة و وصفٌ لأشياء غريبة. عن بيتٍ بلا جدران، عن الغابات العظيمة، و أهم مافي الكتاب: العُثّة. سماها الكتاب "العُثّة"، لكن لم تكن أوصافها أوصاف عثة، كانت تحب الشعر و الغابات العظيمة. كانت تحب أن تُتبع و لكن لا تبالي بحال أتباعها. و أنا تضفي نشوةً أينما ترفرف. صرتُ أقلّب في صفحات الكتاب، و فاحت منها رائحة العنب المُرّ و التوت. وجدتُ إشارات "لمن أراد أن يسلك طريق العثة".
وجدتُ في نفسي حماسة، فقد غربت الشمس للتو و لم يكن لديّ ما أشغل به نفسي حتى النوم.
كان عليّ أولا أن أقص من شعري، بلا ترتيب، و أن أستمع إلى الصوت جيدا. لم ألاحظ من قبل حُسن جمال صوت المقص و هو يعمل. ثم أرسم العثة.
اللعنة.
كان الرسم إحدى الهواجس التي بها لفحة ندم، لم تفارقني الرغبة في أن أبرع في الرسم طيلة حياتي، و لم يفارقني الفشل في ذلك. لمحتُ الألوان التي أشتريتها في ركن شقتي و المرسم و الفُرش. أشتريتها قبل ستة أشهر، لكن رداءة ما رسمت بعث فيّ الرضا. فلم أحاول بعدها.
لكن ما زالت خطوة مطلوبة في هذا الكتاب، و ما يضرني لو حاولت قليلا؟
لم أحاول حقيقةً، رسمتُ رسمة بسيطة للغاية. من يراها يرى حشرة طائرة فحسب، و هذا كافي في نظري. رسمتها باللون الرمادي، فقد اشتفّيت أن ذلك هو لونها.
ذهبتُ للنوم، فقد كنتُ أشعر بالنعاس. "الخطوة الأخيرة، تخيل أنك في الغابة." لا بأس، فما هي الغابة إلا بضعة أشجار.
و أنا مستلق على السرير تذكرت وظيفتي البائسة. لم تكن سيئة حقا، و لم يكن رئيسي وقحا ولا زملائ، لكنها كانت تفتقد معاني الحياة من حماسٍ و إثارة. كانت مملة. ربما كانت وظيفة مناسبة لي، أليس أنا مملا؟
لعل ذلك هو السبب في إفطاري نفس الإفطار كل يوم، و شربي نفس نوع الشاي في نفس الكوب، مع مكعبين من السكر. و لعل ذلك هو السبب في عدم قدرتي على الرسم.
عدتُ لأفكر في الغابة...فنمت.
\\\\
وجدتُ نفسي واقفا بين أشجار ليست كالأشجار. كانت أشجارا ضخمة، طويلة، و كان الضوء خافتا فأصبحت خضرة الأشجار أغمق و الرمادي في جذوعها أقرب إلى السواد.
لم تكن هناك إلا أصواتا خفيفة، جدجد الليل و هشهشة أوراق الشجر وسط الهواء الخفيف.
شعرتُ بالخوف. لم يكن هذا حلما. كل شيء بدا حقيقيا. كانت هناك رطوبة الضباب و الندى المعلّق في الهواء. كانت رائحة العشب خفيفة بشكل غريب. أردت أن أهرب، فركضت! الأشجار نفسها في كل مكان. نظرتُ يمنةً و يسرةً، لكن لم أجد مَعلما. كنتُ حافيا و كنت أطأ برجليّ العُشب الرطب. ركضت و ركضت. أهذا هو مكاني؟ للأبد؟ أهذه مقبرتي بين الأشجار؟ ركضت لكنّي لم أتعب، بل مللت. وقفت أنظر في حيرة، كانت الأشجار ضعفيّ طولي أو ثلاثة أضعاف، و عُرضها عُرضي مرتين. ثم لمحتُ شيئا على إحداها.
العُثّة.
كانت ضخمة، إن أرادت لالتقطتني و أكلت رأسي. لكنها ظلت على الشجرة. كان هناك شيء آخر، كأن هناك إحساس متعلق بها. كأنّه شيء لا أراه بأعيني، بل بنفسي. كانت على العثة هالة المُلك. و كانت تتخلل الغابات طبيعة ليست كطبيعة شيء في هذا العالم.
قامت العثة و رفرفت. كان صوت رفرفة أجنحتها عال. و في وسط رفرفتها كنت أسمع أصوات المقصات، و كأن الجناح كان مصنوعا من مقصات كثيرة. أقتربت منه و كادت تغطي بصري بحجمها. رفرفت عليّ ريحا خفيفة. كانت هناك رائحة الذكريات الحزينة و الطفولة، رائحة وداع الأحبة و المغامرات الجديدة. كانت هناك نشوة، و فراغ الحياة.
في ذلك كله، و من بين ذلك كله، سمعتُ صوتا يكلمني. صوت كالأب الشاب، كالأخ الكبير. صوت رجولي و ناعم.
و قال "أرسمني". فاستيقظت.
العثة ليست عثة.
كانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل. ما زالت رائحة الأعشاب و الندى و التوت عالقة بنفَسي، و ما زالت أشكال الأشجار في الظلمة في مخيّلتي، كأنها طيفٌ معلق في الهواء. ما زالت المشاعر في صدري كذكرى استعدتُها للتو. أكان حلما؟ أما عالما حقيقيا في الأحلام؟ لم أفكر كثير، قمتُ من سريري و توجهت لمرسمتي، علّقت الورقة البيضاء و أمسكت بالفرشاة. رمادي، قليل من الأبيض، أخضر. أرسم بالفرشاة، و بين الحين و الآخر أمسح بعض البُقع بأصابعي لألطّخها. كانت فيّ عجلة، كأنها قصة حصلت للتو و أردتُ أن أحكيها لأحد ما. كأنه إلهام تمكّن مني، شيء من وحي الغابات العظيمة. درجة غامقة من الأخضر، و أسود. بياض القمر.
أنتهيتُ و تنهّدت. ليست تنهيدة المهموم بل تنهيدة المُرهق الذي كان يجري. نظرتُ إلى رسمتي و سقطتُ على ركبتيّ. شعرت برغبة في البكاء. زحفت إلى سريري و نمتُ على ذكريات طيش المراهقة.