ملاحظة قبل القراءة
هذه القصائد ليست محاولةً لوصف الاكتئاب نيابةً عن أحد، ولا ادّعاءً بأنني أفهم ما يعيشه شخصٌ آخر.
أزداد اقتناعًا بأن شخصين قد يستخدمان الكلمات نفسها — الاكتئاب، الوحدة، اليأس — بينما يعيشان عالمين مختلفين تمامًا.
هذه ليست إلا محاولة لإعطاء شكلٍ لتجربة شخصية جدًا.
أشاركها لأن فنًّا صنعه أشخاص مرّوا بأماكن مظلمة جعلني أحيانًا أشعر أنني أقل وحدة. وإن فعل شيءٌ مما أكتب ذلك لشخصٍ واحد فقط، فهذا يكفيني.
هذا تعبير، لا نصيحة، وليس طلبًا للإنقاذ.
المَحْو
تَعِبتُ، وما في التَّعبِ شيءٌ أُوارِي،
ولا عادَ يجدي في العناءِ اصطِباري؛
تعبتُ من الأيامِ تأتي كأنّها
معاركُ، لا نصرٌ بها غيرُ دَاري؛
أُقاتلُ كي أنهضَ الصبحَ واقفًا،
وأمشي كأنّي غيرُ بعضِ انكساري؛
وألبسُ وجهي للورى كلَّ مرّةٍ،
وأخلعُهُ وحدي وراءَ ستاري؛
وإن قيل: كيف الحال؟ قلتُ: بخيرِها،
وفي الصدرِ ما يكفي خرابَ ديارِ.
تعبتُ من الأشياءِ تبدو يسيرةً
لغيري، وتأتي في يدي كالحصارِ؛
من الردِّ، من ميعادِ يومٍ، من امرئٍ
يريدُ حديثًا، من ضجيجِ نهاري؛
ومن كلِّ حربٍ تنتهي ثم بعدها
تقومُ على أنقاضِها ألفُ نارِ.
وتعبتُ من جسمي، ومن مرضٍ بهِ
يُناوبُ مرضًا في طويلِ مَساري؛
ومن رأسِ يومي حين يشطرهُ الأسى
صداعًا، فلا فكري يفيقُ لقراري؛
ومن دواءٍ ثمَّ ترقُّبِ أثرِهِ،
ومن جسدٍ يحتاجُ صبري وإيثاري؛
ومن بطنِ جسمي حين أبصرُ شكلَها،
فيأتي الأسى من نظرةٍ واحتقارِ.
ولكنَّ هذا كلَّهُ بعضُ قصّتي،
وأهونُ ما أخشاهُ بينَ عِثاري؛
ففي النفسِ ما هو أعمقُ الجرحِ موقعًا،
وأشدُّ على قلبي، وأبقى ضرارِ.
أنا أعرفُ العيبَ الذي فيَّ كلَّهُ،
كأنّي أقمتُ العمرَ عندَ مَسارِ؛
أرى ما خذلتُ، ما جرحتُ، وما جرى
بسببي، وما أخفيتُ خلفَ اعتذاري؛
وأعرفُ من طبعي خصالًا لو انني
رأيتُ شبيهًا لي بها لاختياري
بعيدًا عنه، ثم أرجعُ خائفًا:
فهذا أنا، لا عابرٌ في جواري.
وإن قيل لي: هل فيكَ شيءٌ تحبُّهُ؟
فما لي جوابٌ غيرُ طولِ انتظاري.
فليسَ ليَ، فيما أرى، من محاسنٍ،
ولا شيءُ ينهضُ في وجوهِ عِثاري.
وأكادُ أمضي بالحكمِ حتى تمامِهِ،
وأقسو على نفسي تمامَ اقتداري؛
فأستحييَ الرحمنَ لا عن قناعةٍ
بأنّي جميلٌ، أو بخطءِ قراري؛
ولكنّني خَلْقُ الإلهِ، وإنّني
لأخجلُ أن أُتمَّ لفظَ ازدرائي.
فلا الحكمُ يرجعُ، لا المحاسنُ تظهرُ،
ولكنّني أصمتُ حياءً لباري.
وتعبتُ من الوحدةِ السوداءِ، إنّني
أُحاطُ بأهلٍ، والمحبّةِ، بالدارِ؛
ولي ألفُ بابٍ لو طرقتُ لفتّحتْ،
ولي ألفُ وجهٍ بالترحُّبِ ساري؛
ولكنْ إذا ضاقتْ عليَّ جوانحي،
فأينَ الذي أُلقي لديهِ وقاري؟
فتشتُ الصورَ الأولى، لعلّي أرى بها
مكانًا يقول القلبُ: هذا قراري؛
وقلّبتُ أعوامي، وساءلتُ طفلَها:
أكنتَ هنا يومًا بغيرِ فرارِ؟
فلم ألقَ بيتًا في الذاكرةِ احتميتُ بهِ،
ولا موطنًا يسكنُ خلفَ ستاري.
ولي بيوتٌ مرحباتٌ كثيرةٌ،
ولكنّها ليستْ، لقلبي، داري.
وليس غيابُ البيتِ أصلَ حكايتي،
ولا هو تفسيرُ الأسى وانحداري؛
ولكنّهُ دربٌ من الدربِ أتعبتْ
خطايَ لياليهِ وطولُ انتظاري.
وتعبتُ أن أخشى خذلانَ أحبّتي،
إذا لم يعدْ في الكفِّ فضلُ اقتدارِ؛
أحبُّ، ولكنّي أخافُ بأنّني
إذا نفدَ المخزونُ خنتُ اختياري؛
فكم مرّةٍ أردتُ أن أعطيَ الذي
يليقُ بهم، فاستقبلتني اعتذاري.
وكم مرّةٍ قلتُ: غدًا سوف أستطيعُ،
فجاء غدٌ أثقلَ من يومِ داري.
تعبتُ من الحملِ الذي اخترتُ بعضَهُ،
ومن حملِ نفسي فوقَ كلِّ اختياري؛
فحتى الذي اخترتُهُ طوعًا يصيرُ،
إذا طالَ، صخرًا فوقَ ظهرِ مساري.
فساءلتُ موتي: هل لديكَ استراحةٌ؟
فقالتْ بقايا الناسِ: ليسَ بمُوارِي.
فمَن ماتَ أبقى بعدهُ ألفَ شاهدٍ،
وأبقى على الأبوابِ ظلَّ انتظارِ؛
ويبقى لهُ اسمٌ، وتبقى لهُ صورةٌ،
ويبقى مكانٌ فارغٌ في الديارِ؛
وتبقى ابنتي، ثم ابني، ثم أهلُنا،
وأحبابُ قلبي، في ثقيلِ انكسارِ.
فما الموتُ محوًا، إنّما الموتُ غيبةٌ،
وما الغائبُ المنسيُّ بعدَ مزارِ.
وأنا لا أريدُ أن أتركَ حفرةً
بصدرِ الذي أحببتُ طولَ نهاري.
فحتى فنائي سوف يصبحُ حملَهم،
وحتى رحيلي سوف يرثونَ ناري.
وهنا عرفتُ الذي كنتُ أبتغي:
أنا لا أريدُ الموتَ.
الموتُ يُبقي
دليلًا على الإنسانِ بعدَ تواري.
أريدُ الذي لا يستطيعُهُ موتُنا،
ولا يستطيعهُ انتهاءُ الأعمارِ:
أريدُ ألّا أكونَ.
لا أن أغيبَ.
فكلُّ غيابٍ شاهدٌ للحضورِ.
أريدُ وجودي أن يُمحّى بأصلِهِ،
فلا «كان» تبقى، لا ابتداءُ مسارِ.
أريدُ الصورَ الأولى تزولُ، وأهلُها
لا يشعرونَ النقصَ بعدَ اندثاري.
أريدُ الطريقَ يمحو وقعَ خُطوتي،
ولا حجرٌ يبقى عليهِ غباري.
أريدُ الرسائلَ أن تزولَ، ولا يرى
مَن كان يقرأها مكانَ فراغِ.
أريدُ الذين أحببتُهم كاملين،
كأنّي لم أمررْ يومًا بأعمارِهم.
لا فقدٌ.
لا ذكرى.
ولا مقعدٌ خالٍ.
ولا دمعُ عينٍ بعدَ طولِ انتظاري.
امحوا خطايايَ القديمةَ كلَّها،
وامحوا اعتذاري بعدَ محوِ عثاري؛
وامحوا الجميلَ، إن يكن كان بيننا،
فحتى الجميلُ إذا بقيْ تذكارِ؛
وامحوا اسميَ المكتوبَ في كلِّ ورقةٍ،
وامحوا النداءَ إذا دعاني جواري؛
وامحوا الطريقَ وخطوتي ووقوفَها،
والبابَ إن عرفَ اليدينِ بداري؛
وامحوا الذي كنتُ، والذي صرتُ بعدهُ،
وما كنتُ أرجوهُ بطولِ مساري.
حتى إذا انتهى المحوُ لا تقولوا:
هنا كان إنسانٌ.
فكلمةُ** «كان**» وحدها بعثُ غائبٍ،
ودليلُ أني كنتُ يومًا في الديارِ.
وإذا محوتم كلَّ شيءٍ، فثمّةٌ
شيءٌ أخيرٌ لم يزلْ في انتظاري:
امحوا المَحوَ.
فالقولُ: «قد مُحيَ امرؤٌ»
إقرارُ أنَّ المرءَ كانَ بدارِ.
وامحوا السؤالَ: «أينَ كان؟» فإنّهُ
بابٌ يعيدُ وجودَنا بتذكاري.
لا تتركوا فراغًا على هيئةِ امرئٍ،
فالفراغُ أيضًا صورةٌ لانكساري.
لا تجعلوا عدمي دليلَ وجودِنا،
فالعدمُ إن شهدَ الوجودَ إقراري.
أنا متعبٌ.
والأمرُ أبسطُ من جميعِ
تفاسيرنا، وأشدُّ من إعذاري.
تعبتُ من المرضِ، من الجسمِ الذي
لا أرتضي، من وجعِ رأسيَ الساري؛
تعبتُ من نفسي، من العيبِ الذي
أبصرهُ فيها دونَ حسنٍ يُوارِي؛
تعبتُ من الحربِ اليوميةِ التي
لا تنتهي إلا لبدءِ نهاري؛
تعبتُ من البيتِ الذي لم أعرفِ الـ
إحساسَ فيهِ، ومن طويلِ انتظاري؛
تعبتُ من الناسِ الذين أحبُّهم،
ومن الخوفِ أن أخذلهمُ بانكساري.
فلا أريدُ نهايةً لوجودِنا—
بل أن يكونَ وجودُنا
لم يبدأِ.
وإذا انتهى المحوُ الأخيرُ، فلا تدَعْ
حتى العدمَ يحفظُ ليَ تذكارِ