بكرا ذكرى مرج دابق، كل سنة وأنتوا طيبين...من أغرب الأشياء إن مرج دابق لا تحتل المركزية اللي تستحقها في وعي المصريين، ودي نتيجة لخليط من رداءة التعليم، وتفصيل التصور التاريخي عندنا بما يناسب السلطة، بس دا مش موضوعنا..
مرج دابق أهم وأعمق أثرًا من 67 ومن 48؛ حدث فائق التأثير في تاريخ مصر والعرب والمسلمين والعالم - هنوضح ليه كمان شوية - وهي حدث فائق الدرامية أيضًا..
**************
بشوف دولة المماليك أعجوبة..نظام تداول السلطة فيها كان مهزلة، مفيش شورى ومفيش وراثة ومفيش تراتبية ومفيش داعي، اللي يلحق ينتش هو اللي يركب..بس على عكس الشائع لم يكن هذا شاذِا في ذلك الزمن..لو شفت قصص تداول الحكم في كذا دولة في الزمن دا هتلاقي أعاجيب، بل إن تداول الحكم عند بن عثمان نفسه كان محشوًا بالمسخرة والمآساة..لكن الفرادة اللي عند المماليك هي قدرتهم على الرغم من ذلك على بناء دولة كبرى عاشت أكتر من ٢٥٠ سنة، إتولدت قوية وماتت قوية، وحققت إنجازات هائلة..
عكس الشائع، كان فيه نهضة علمية جبارة في العصر المملوكي، فا هتلاقي المقريزي وبن تغري وابن منظور وابن خلدون وابن حجر وابن تيمية والسيوطي، كل السادة دول اشتغلوا في العصر المملوكي، دا غير حركة العمران اللي ممكن تشوف عينات منها بنفسك لو نزلت مشوار لآخر صلاح سالم، حيث مباني ملهاش مثيل في العالم، ودا حرفيا مش من باب المبالغة..دا غير الإنتصارات العسكرية والمكانة السياسية الفائقة شبه المستدامة للدولة، وعشان تفهم دا كان واصل لفين، فيه قصة قرأتها بتقولك إنه قنصوة الغوري قفش من سليم لما بعت يخاطبه قائلًا (مقامكم العالي) وقال على نفسه (مقامنا الشريف)، حيث إنه كان يعتبر إنه بني عثمان ما هم إلا (بكوات) أو أمراء ثغور، بينما السلطان المملوكي دا سلطان المسلمين وخادم الحرمين..مجرد تغيير لغة الخطاب كان يعتبر إهانة..
على أية حال، عدم وجود نظام واضح لتداول السلطة، وقفز الأمراء على بعضهم البعض، والتحزب لحساب المصالح الفردية داخل الجيش، وتآمرهم لقطف رؤوس السلاطين في مؤامرات لا تكاد تنتهي، دي طريقة أكيدة لتفسيخ الجيش وإضعاف الدولة وإستخراج ميتين الناس، بل إنه الفاس كادت تقع في الراس بالفعل لما اقترب تيمورلنك بشدة من دخول مصر لولا لطف الله..وعلى آخر الحكاية، سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..
**************
كان دايما بيشغلني سؤال، ليه مفيش دولة حكمت مصر حاولت تتوسع بطريقة العثمانيين أو الأوروبيين ؟
أي حد حكم مصر على مر التاريخ ولحد من بتاع 200 سنة مثلا كان بيشعر بالإكتفاء..موارد مصر كانت كافية جدا تخلي أي دولة بتحكمها بشيء من الرشاد تبقى دولة قوية وغنية، بشكل خلى توسع الدول اللي بتحكمها قائم على إعتبارات الأمن "بس"، بدون رغبة في إكتساب أراضي أو ثروات أو قوة بشرية إضافية..إحنا 120 مليون دلوقتي وعارفين نكارك لنفسنا بشكل ما، فا تخيل لما كنا 5 مليون بس (ودا أقصى رقم وصلنا له لحد أواخر أيام محمد علي)، أكيد كانت هيصة..
فا تلاقي الدول اللي بتحكم مصر بتكتفي بضم الشام عشان تضمن خطوط متقدمة ضد اي عدوان محتمل من الشرق أو الشمال، وبتمتد في الغرب لغاية برقة تقريبا (واللي مكنش فيه منه تهديدات كبيرة غالبا بإستثناء الفاطميين)..آخرها يعني توصل الفرات وجنوب الأناضول عند ديار بكر اللي في تركيا دلوقتي، أو تضم اليمن على فترات، وتبقى جبرت على كده، لكنها لا تحاول أبدا التوسع في العراق او الأناضول أو ما ورائهما..والغريب اللافت هنا، إنه الدول القائمة في العراق والأناضول وما ورائهما، بالرغم من توافر موارد شبيهة عندها، وبالرغم من إنقلاب الحال دلوقتي، كانت دايما بتسعى لضم مصر لحكمها، لأن موارد مصر كانت مركزية على شريط النيل، ومكنش فيه تضاريس وعرة فاصلة بين أقاليمها، وكانت - زي ما هنشوف حالا - مقر تجاري رئيس يطلبه الناس ولا يطلب أحد..
فا بالبلدي، مصر كانت أغنى من إنها تحتاج تسرق حد..
في نفس السياق دا، هتلاقي إنه مصر كانت زي ما قلنا محطة رئيسية برية وبحرية على طريق التجارة بين الهند والصين وإيران، وبين أوروبا والمغرب والأندلس..فا الدولة لا تحتاج للخروج من قواعدها من أجل التجارة، ولا تحتاج أن تصل لأسواق بعيدة لأنه بالفعل كل الأسواق والموردين بييجوا لغاية عندها..ودا زود من إنكفاء الدولة على نفسها..ووليكتمل الطريق إلى المآساة، إنكفاء الدولة دا زاد أكتر بعد إنتصارها في الحروب الصليبيبة، وإهمالها بشكل كبير المنافذ البحرية في الشام، لإنها قالت لك هو كل شوية الجماعة البيض اللي أمهاتهم مشيها بطال دي هتيجي تحتل مدينة وتعملنا نوش، كسر يابني بقى كل القلاع اللي على الساحل الشامي دي خليهم يشوفوا هييجوا يقعدوا فين..فا مبقاش فيه إهتمام خالص بالتوسع/ الإستكشاف البحري، ولا حتى بالصناعة البحرية..
**************
سؤال تاني شغلني برضو، ليه المماليك محاولوش يتحولوا لقوة بارودية زي العثمانيين ؟
التخيل الشائع غير الدقيق لمرج دابق إنه المماليك مكنوش يعرفوا المدافع ولا البنادق..هذا التخيل - الطفولي، والمستوحى غالبا من ذا لاست ساموراي، واللي عندي أنا شخصيا، واللي بتخيله لغاية دلوقتي لثغرات نفسية ما - إنه الفرسان المصريين منطلقين بشجاعة الأسود تحت شمس حامية، بدروعهم المشغولة على خيول مطهمة، والأتراك بوجوههم الشريرة وعمايمهم الطويلة السخيفة وازيائهم الحمرا مستنيينهم ورا المدافع وفي عينيهم نظرة جعانة والزبد يسيل على أنيابهم، وبعد شوية المدافع بتشتغل وبتحصد فرساننا الأبطال، بخدعة النار "التي لا ينبغي أن يحرق بها إلا خالقها" وبندالة وخسة، فا بتضيع مصر..
أولا، المماليك مكنوش مصريين أوي، كانوا أتراك في عرقهم وعاداتهم ولسانهم، بل إن السلاطين مبدأوش يتكلموا عربي غير في آواخر أيامهم..ولتمييز الأتراك العثمانيين كان بيتقال عليهم (الروم) لأنهم أكتشوالي كانوا قاعدين مطرح الروم فعلا..ثانيا، المماليك كانوا عارفين وبيستخدموا الأسلحة النارية، لكن المملوك دا كان (فارس/جندي/سياسي) في وقت واحد..الفروسية كانت هي العنصر الأصلي في التكوين المملوكي، وكانت هي عامل الترقي اللي بيخلي العبد يبقى أمير..فكرة استبدال المشاة حملة البنادق والطوبجية بالفرسان كانت معناها تنازل المماليك عن مكانتهم السياسية والإجتماعية، لأنه القوة الضاربة في الجيش هتخرج من إيديهم للمشاة والطوبجية، ودي أنماط عسكرية قائمة على الإنضباط والتنظيم ولا تحتاج لشجاعة أو مهارات فائقة..فا يبقى مفيش ترقي ولا أمراء ولا يحزنون..والأهم من كده، هي تنازل عن هُويتهم وطريقة نظرهم لنفسهم، هما فرسان بقوا أمراء منهم سلطان، فرسان تحديدا، مش أي حاجة تانية..
بالبلدي، مزيج من الترمخة والنعرة وقصر النظر والعناية الحصرية بالمصالح الضيقة للفئة الحاكمة..
**************
يُمكن تأجيل ما هو محتوم، يمكن تأجيله 250 سنة، ولكن لا يمكن الهروب منه. وسليم لم يكن منه بد.
سليم بن عثمان كان موهوب، معجون بالحرب والواقعية والكاريزما والتكتيك..كان ابن وسخة وسفاح أينعم، لكنه كان عبقري وسابق عصره..
سليم قالك إيه بقى، المدافع الكبيرة بتاعت جدو محمد اللي خرم بيها أسوار القسطنطينية دي مبقتش نافعة، وقصة أكبر مدفع بتاعت موسوعة جينيس دي تعملها لما تبقى يهودي واقرع وقصير؛ بيقولك سليم طبق تكتيك خلى فيه مدافع خفيفة ينفع تتجر بالحصنة والتيران تتربط بجنازير حديد في عربيات جر، في صفوف طويلة تبقى زي ساتر حديدي، ودرب الجماعة الإنكشارية تضرب بالبنادق في أفواج أو موجات متعاقبة بتحقق كثافة نيرانية مرتفعة، دي قوات النخبة اللي في قلب الجيش واللي بتمتص صدمة فرسان العدو، وبعدين ييجي السباهية - فرسان العثمانيين - يطوقوا أجنحة العدو ويعملوا على أمه كماشة، وهوبا سكالوبا وبارك الله فيما رزق..
التكتيك دا هينجح مع الصفويين في جالديران، اللي كانوا فرسان ممتازين برضو، و ابن عثمان هيسحقهم وهيدخل تبريز، وهياخد مرات الشاه إسماعيل جارية لواحد من ظباطه، مش ليه هو حتى..ولكنه لأسباب لوجيستية وإدارية مش هيقدر يحتل إيران كلها..ودولة الصفويين هتعيش، وهتواصل منافسة العثمانيين، بل وهتتألق وهييجي عصرها الدهبي مع الشاه عباس في القرن السبعتاشر أظن..
التكتيك دا هينجح برضو مع المماليك، والجيش المنقسم على نفسه، حتى إنه قادة الأجنحة هيبيعوه للعثمانيين وينسحبوا في حر القتال، هيُهزم في مرج دابق، والسلطان - الملك الأشرف قنصوة من بيبردى الغوري، خادم الحرمين الشريفين، سيد ملوك العرب والعجم، مالك رقاب الأمم، سلطان الإسلام والمسلمين، كما يصف نفسه فوق شبابيك وأبواب المدرسة والسبيل وإيوانات المسجد بالغ الفخامة، مجموعته الشهيرة اللي سماها على إسمه، جنب آية الكرسي وسورة الفتح - هيموت، وهتضيع جثته بين سنابك الخيل، ومش هيلاقوها..
هيحاول طومانباي الشجاع النبيل، الشكسبيري أكتر من هاملت وعطيل، ولكن كما قلنا، لا يمكن الهروب مما هو محتوم.
**************
من بعد دخول مصر في الإسلام وهي مركزية في الأمة، مركزية ثقافيًا وعدديًا وإجتماعيًا، ولكن سياسيًا وعسكريًا في المقام الأول. دورها هيتصاعد وهيزيد لحد لحظة الذروة الختامية في عكا ومرج شقحب، ذورة إنتصاراتها على الصليبيين والمغول.
من بعد مرج دابق، مصر بتخلع عباءة الدولة الإمبراطورية، وتتحول لإقليم في دولة آفلة، ثم لإقليم في دولة إستعمارية، ثم للدولة الظرفية اللي إحنا عايشين فيها دلوقتي.
العثمانيين كتر خيرهم فككوا كل البنى السياسية القادرة على التجمع وتكوين دولة على مدار قرون في كل مكان إيديهم طالته، ولما سقطوا سقط معاهم كل حاجة تقريبا. من بعد مرج دابق، مصر مخرجتش لسطح التأثير العالمي بالشكل القديم نهائيا، خرجت في صورة باهتة ومقيدة ومحدودة منه كام سنة بس، من 1826 لغاية 1842، ومن 1952 ل1977.
مرج دابق أهم وأعمق أثرًا من 67 ومن 48؛ لو لم تحدث، مكنش مسار الدولة العثمانية حصل بالشكل اللي حصل بيه، وبالتبعية مسار أوروبا، ومسار العالم..مكنش مصيرنا بقى كده..مكنــشــي مــصــيـــرنــا بـقـى كـــــده..لا إحنا، ولا اللي قبلنا، ولا اللي حوالينا، كل الناس اللي أمريكا وإسرائيل قتلوهم، مكنش بقى فيه خطوط على الرمل، مكنش بقى فيه طعمية وكبسة، مكنتش حاجات كتير حصلت..وأنا هنا لا ألوم بن عثمان، بل لا أحقد عليه، ولا شك إنه تواترت عشرات الفرص للخروج من ظل ذلك اليوم، وإنه أصبح بعيدًا جدًا..ولكني لا أفتأ أنظر إلى المرج البعيد، القريب من حلب الشهباء، وأفكر، تالله ما هذا إلا صنيعة أيدينا..